Bank of Khartoum Visa Card

النخب السودانية – عجز يرقي إلى الخيانة !

أسعد المبارك علي ودبازل

في حدود الأسرة الصغيرة التي هي أصغر وحدة في بناء المجتمع – تظل الحاجة ماسة إلى ولي أمر يعرف واجباته وينهض بمسؤولياته
ويقوم بدوره في الرعاية والتربية . وإلا فإن مصير الأسرة سيكون عرضة لمؤثرات مختلفة قد تفضي بها إلي منتهى حياة تقليدية باردة ، أقرب إلى العدم والضياع .
هذا ما عليه الحال في أغلب مجتمعاتنا التي يغيب فيها دور ولي الأمر المربي فيما يلي عمليات التربية وغرس القيم .
لذلك تظل الفرص في النهوض بالأسر والمجتمعات الصغيرة مهدرة وضائعة باستمرار . وترجع الأسباب إلى
ضعف الرؤية
وانعدام الطموحات
وغياب الأهداف والخطط المحكمة للإستفادة من الموارد المتمثلة في أفراد الأسرة ، والمواهب المتمثلة في ذكائهم وقدرتهم على العطاء والإبداع في جوانب الحياة المختلفة .
على مستوى القرية أو الحي أو المدينة ؛ فإننا جميعاً نعرف الذكاء والقدرة على العطاء والإبداع عند كثير من الأسر والأفراد والجماعات . نعرف مواهبهم التي إن تم إحسان توجيهها وتعهدها بالتثقيف والرعاية لشهدنا في هذه المستويات الاجتماعية ميلاد جيل جديد من الشباب المتوشح بالمؤهلات وشهادات التفوق والإبداع في مختلف مجالات الإنتاج .
لقد ضاعت علي الأفراد والأسر والجماعات والمجتمعات ؛ كثير من الفرص الكفيلة بتغيير شكل الحياة للأفضل بسبب الإهمال .
القلة التي أحسنت فنون التربية والرعاية وصبرت على ذلك – جنت ثمار غرسها بحسب المواهب المتوفرة لديها والفرص.
فهناك من نجحوا في تعليم أبنائهم وساعدوهم علي نيل أفضل الشهادات والدرجات في مختلف التخصصات ، مع تشبع تام بحسن الصفات ومكارم الأخلاق . فجنوا ثمار ذلك بأن طوروا نمط حياتهم إلي الأفضل –
مسكنا
وملبسا
ومأكلا
ومشربا
وتصدقا
وتعبدا لله حتى غدوا في المجتمعات
منارةً لمن أراد الفخر والمباهاة
وغدوةً لمن أراد التعلم والاقتداء .
هذه القلة موجودة في كل مجتمع من مجتمعاتنا ، وهم الآن علامة من علامات المجتمعات لا تخطئها عين …
وكذلك الحال مع الأسر التي تعهدت أفرادها بغرس بذرة حب العمل في مجالات الزراعة والتجارة والصناعة وغيرها . فقد قدمت للمجتمع أفراداً من المنتجين الذين يفيض خيرهم على الجميع وتدور بفعلهم عجلات الإنتاج والاقتصاد .
أما الذين لم تتعهدهم الأسر بالاهتمام اللازم والرعاية فكانت حظوظهم في الحياة متروكة للصدفة .
فمنهم من نجح نتيجة لتوفر بعض الفرص النادرة ، ومنهم من تاه في مجالات أخرى وقنع من الحياة بالقليل رغم مواهبه الظاهرة وإمكانياته الكامنة .
على مستوى الأمم والأوطان فإن الحاجة إلى ولي الأمر الراعي القائد الزعيم – تبدو أكثر أهمية . فالوطن هو الوحدة الأكبر في المجتمعات والأمة هي محل العناية والرعاية – الأهم .
وبمثلما كان الحال مع الأسرة ومدى حاجتها إلى من يتعهد أفرادها بالتربية والرعاية وغرس القيم واستثمار المواهب – فإن الأمم والأوطان بحاجة أكبر إلى من يتولى ذلك ويقوم به .
فإن وجد من بين أبناء الأمة والوطن من يصلح لهذا الدور – فإن شأن الأمة سيرتفع ويعلو ،
وسينعم الوطن
بالأمن
والطمأنينة
والتنمية
والنهضة
والاستقرار .
وإن لم يوجد فستظل الأوطان في عداد النسيان نهبا لسهام الجهل والفقر والمرض والاحتراب .
في السودان الحبيب ظلت النخب تنتج الفشل وتكرر تجاربه جيلا بعد جيل بصورة تتجاوز معاني العجز والفشل إلى الخيانة .
ودون الرجوع إلى مواقف النخب وسلوكها في الماضي القريب أو البعيد – فإن ما يحدث اليوم من سلوك ومواقف وممارسة يرقي إلى وصمه بصبغة الخيانة لثورة ملأت الدنيا وشغلت الناس .
خيانة ل :
قوة الإرادة التي أبرزتها الجماهير أيام الثورة على إسقاط النظام .
وللتلاحم الوجداني
ووحدة الجماهير والتفافهم السامي حول هدف مشترك .
وللصمود النادر أمام آلة البطش العمياء التي روعت وسجنت وقتلت وسفكت الدماء .
وللآمال والأحلام وغوافل الدعوات وأسراب الأمنيات بوطن شامخ وطن عات .
ولشعارات الثورة التي كانت نشيدا وهتافا لا تزال تردده الجماهير .
تجسدت خيانة الثورة حينما تاهت قيادة قوى الحرية والتغيير وعجزت عن تحقيق غايات الجماهير والرسو بمركب الثورة على مرابط الاطمئنان وموانئ اليقين .
إذ كان عليها أن تختار بين شراكة مع العسكريين مبنية على أساس من الرضى والوضوح والثقة والتسليم ، قائمةً على دعائم المصالحة الشاملة واستيفاء الواجبات والحقوق .
أو بين الاستمرار في الثورة حتى إذعان العسكريين الكامل لإرادة الشعب وتحقيق مطلبه في انفراد المدنيين بالحكم كاملاً ، وتوجه العسكريين إلى مهامهم المعروفة المحددة في قوانينهم المختلفة .
كان على قوى الحرية والتغيير أن تختار أحد هذين الأمرين ، وتكون واضحةً قويةً أمينةً في ذلك .
فغايات الثوار ومراميهم كانت واضحة لا لبس فيها ولا غموض .
كان أولى بمن يمثل الثوار أن يكون كذلك ، لكن يا للحسرة ، فإن القيادة لم تفعل . وآثرت أن تمسك العصاة من المنتصف ، دون أدنى مراعاة لتطلعات ثائر
أو تقدير لمحاولات ناصح أمين .
مضت القيادة في دروب الفشل وهي تائهة تماماً بين الأمرين – فعرضت بهذا الضعف والتيه جموع المعتصمين في ميدان القيادة العامة إلى آلة الفض العمياء بوحشية راح معها المعتصمون ما بين قتيل وجريح ومروع ومفقود .
كان ذلك واحداً من ثمار الضعف والتيه والفشل والخذلان ، مما يرقى إلى صبغه بصبغة الخيانة .
ولما كان الشعب هو صاحب الحق في الثورة ، ما لبث أن نهض وداس على جراحه وأحزانه ومآسيه . وهب في الثلاثين من يونيو الأغر في وجه الطغاة الغافلين رغم الحصار والمراقبة وتقطع سبل الاتصال والمواصلات .
قال كلمته للتاريخ ومضى غير آبه بشيء ، فكان له ما أراد من نصر ورسالة . مفادها ألا سبيل بعد اليوم لحاكم مستبد مغتصب لحق الجماهير في اختيار الحاكم، فوعي المتربصون بحقه في اختيار الحاكم ، الدرس وعادوا إلى حدودهم صاغرين .
فشل القيادة في قوى الحرية والتغيير في القيام بواجبهم نحو الثورة والوطن في تلك المرحلة – هو ما أغرى المتربصين بفض اﻻعتصام بذلك الفض وتلك الوحشية التي تسببت في استشهاد الكثيرين .
ومن عجب فإنهم لم يستفيدوا من الدرس ولم ينهضوا لتحمل مسؤولياتهم كاملةً في التفاوض مع المجلس العسكري فيما يخص الوثيقة الدستورية . التي جاءت هي الأخرى معيبة مفخخة في أكثر جوانبها خطورةً وأهميةً
ذلك حينما تغافل أعضاء اللجنة القانونية التابعة لقوى الحرية والتغيير عن بعض الجوانب المهمة وتجاهلوا تنبيهات الحادبين من الخبراء المختصين وملاحظاتهم – فولدت الوثيقة الدستورية ناقصة وتم السطو عليها فور التوقيع عليها وتم تزوير بعض فقراتها .
هذا الإصرار على تجاهل رأي الحادبين وعدم استصحابه ، بالإضافة إلى ما تم من تزوير – لا يمكن تسميته بشيء غير الخيانة الصارخة وهو مما يصلح أن يرقى كدليل آخر علي خيانة النخب للثورة وفشلهم في تحقيق المطلوب في تلك المرحلة .
من مظاهر خيانة النخب للثورة في الفترة التي تلت تشكيل الحكومة – ما لا حصر له أو عد . والشاهد الأكبر علي ذلك هو وحش الغلاء الكاسر الذي يلتهم البلاد ، والانهيار التام للعملة الوطنية أمام العملات الأجنبية ..
ولما يمض على تشكيل حكومته شهران شنف الدكتور حمدوك آذاننا بأن قوى الحرية والتغيير لم تسلمه برنامجا للعمل ؛ وذلك في معرض إجابته عن سؤال عن شكل برنامج حكومته مما أوحى للمهتمين والمختصين بالشكل الذي ستسير عليه الأحوال وتنتهي إلى المآلات .
ثم تتابعت مظاهر الخيانة في أعمال لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال التي هي أقرب إلي دغدغة المشاعر وتخدير الجماهير ؛ منها إلى عمل مثمر يفضي إلى تحقيق شعارات الثورة بالحرية والسلام والعدالة والعيش الكريم.
هذا بشهادات موثقة من أهل الاختصاص الذين بحت أصواتهم وهم ينادون بضرورة اتباع درجات التقاضي المعروفة في رد المظالم واسترداد الحقوق . وذلك من خلال إصلاح القوانين عن تمكين المفوضية الخاصة بذلك من القيام بدورها في إزالة العقبات والوصول إلى الإصلاح المنشود .
قبل فترة ليست بالطويلة قال التعايشي عضو المجلس السيادي :
عجزنا عن محاكمة رموز النظام المعتقلين في كوبر منذ عام .
كما عجزنا عن تحقيق السلام .
وبالأمس القريب قال الفريق حميدتي قائد الدعم السريع ، نائب رئيس المجلس السيادي :
قبضنا كميات كبيرة من الذهب بينما قامت جهات بالسماح لهذه الكميات بالخروج عبر صالات المغادرة بمطار الخرطوم .
وقال الفريق الكباشي عضو المجلس السيادي في أيام العيد هذه :
إن الأوضاع الاقتصادية والأمنية في غاية من السوء والهشاشة . وأن الواحد منا يستحي من كونه مسؤولاً في هذه الحكومة .
أقوال هؤلاء السادة ما هي إلا مظهر من مظاهر خيانة النخب في أبهى صورها وتجلياتها . كونهم أعضاء بالمجلس السيادي ، ومجلس الوزراء ، والمجلس التشريعي . ومنهم من يأتي عل رأس المنظومة الأمنية ،
وفيهم من يمثل رهان الجماهير الثائرة ، وآمالها المعقودة – السيد الدكتور حمدوك .
فإلى من يشتكي هؤلاء المؤتمنون على أحلام الجماهير وحقوق الثوار ؟!
إلى من يشتكي هؤلاء ، وهم أولياء الأمر والقادة ؟!
الذين ننتظر منهم أن يستثمروا الموارد
ويفجروا الطاقات
ويعقدوا المصالحات
ويلموا الشتات
ويخرجوا كنوز الأرض وثرواتها ويعمروها بالبنيات التحتية اللازمة للنهضة !
لقد أضاع هؤلاء أجمل ما أبدعت الثورة من تناغم وانسجام وحب وإيثار ونجدة ومروءة وتداع .
فقد كانت الخرطوم أيام الثورة والاعتصام ساحة لمكارم الأخلاق .
فلا خوف على حق مهما كان بسيطاً ، فالإيثار كان حاضراً .
ولا خوف من أحد مهما كانت الاختلافات ، فالحب كان شاهداً
ولا خوف من عدم أو انقطاع أبداً ، ففضل الظهر كان للمواقف سيدا .
ولا خوف من وحدة إطلاقاً ، فكان الكل للكل سندا وبنيانا يشد بعضه بعضاً .

Leave A Reply

Your email address will not be published.