Bank of Khartoum Visa Card

ماذا أبقيتم للنظام “البايت”؟!!

(1)
إن كانت هناك ثمة خلاصة واحدة من عبرة فضيحة “فارهات السيادي” فهي تأكيد أن العلة القاتلة لترويكا النظام الانتقالي، بمكونيه المدني والعسكري بتمثلاتهما المختلفة وظيفياً وسياسياً، هي الافتقار التام لأي درجات الالتزام بالشفافية، والمساءلة، والمحاسبة، وهي صفات لا يستغرب أن تصدر عن نظام شمولي، أما أن يكون هذا ديدن فيمن يُفترض أنهم من أوكلت إليهم مسؤولية تجسيد مطالب التغيير الملّحة التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة، والتي قدم في سبيلها ثلة من أخيار الجيل الجديد تضحيات جسام غير مسبوقة، فهذا ما لا يمكن المرور عليه مرور الكرام واعتباره أمراً منتهياً بمجرد إصدار بضعة بيانات رسمية هزلية متحذلقة فأقل ما توصف بها أنها تكشف عن مدى عدم استعداد الطبقة الحاكمة لتحمّل المسؤولية الكبرى التي أنيطت بها بالجدية التي تستحقها.
(2)
ما كان هذا الأمر ليستحق الانشغال به في خضم التحديات الخطيرة التي تجابه البلاد لو كان حدثاً منبتاً عارضاً، لكن هناك ثمة شواهد ودلائل كثيرة تؤكد أنه ليس سوى رأس جبل جليد الذي يخفي تحته سلوكاً بات يشكل ممارسة منهجية مع سبق الإصرار والترصد في التعتيم والتستر والحرص على تجهيل الرأي العام بشأن ما يجري في كواليس ودهاليز السلطة الحاكمة الجديدة في مستوياتها المختلفة في الجهازين السيادي والتنفيذي، لا سيما في ظل العرقلة المتعمدة لتأسيس المجلس التشريعي الانتقالي الضلع الثالث في مثلث هياكل إدارة الانتقال، الذي يتأكد كل يوم أن تغييب دوره التشريعي والرقابي ليس صدفة بل عمل ممنهج تواطأت عليه مراكز القوى الجديدة لتطلق ليدها العنان في بسط سيطرتها والاستئثار بامتيازات السلطة المطلقة والثروة بلا حسيب ولا رقيب، بل وحتى إبطال الوثيقة الدستورية فعلياً والاكتفاء بتنفيذ استحقاقتها على نحو انتقائي، بما يخدم أجندة مراكز القوى الخفية المستجدة، تحت دعاوى متهافتة لا يحتاج دحضها لجهد.
(3)
بالطبع كانت ستمر فضيحة “فارهات السيادي”، كما مرت وتمر الكثير من الأمور تحت الطاولة في غياب انعدام روح الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وفي ظل تغييب الجهاز الرقابي، لولا أن تصدّت لها الصحافة، ممثلة في الزميلة الغراء جريدة “اليوم التالي”، التي ظلت هي وصحيفتنا هذه وعدد مقدر من الصحف الأخرى تقوم بهذا الدور بكل مسؤولية ومهنية واقتدار على مدار السنوات الماضية، وقد كان لها الفضل في كشف الكثير من قضايا الفساد في ظل العهد السابق، ودفع كثير من الصحف والصحافيين تضحيات كبيرة في سبيل ذلك الدور العظيم في خدمة الشعب والرأي العام على الرغم من أولئك الذي ينكرون عليها ذلك اليوم ممن لم يعرف لهم أحد موقفاً أو تضحية حينها.
(4)
يكشف البيان المتحذلق الذي صدر باسم المجلس السيادي، التبريرات الفطيرة التي أوردتها الأمانة العامة للمجلس، والصمت غير المسؤول للحكومة ولا سيما وزارة المالية إزاء هذا الحدث المشين الذي لا يعكس فقط غربة الطبقة الحاكمة الجديدة عن قضايا شعبها، وإنما غربتها عن عظم التحديات التي تواجه البلاد في هذا الوقت العصيب، لا سيما وأن الأوضاع الاقتصادية تزداد تردياً حتى تكاد تذهب بريح الاستقرار في البلاد، وهو ما بدا وكأنه اكتشاف عظيم في بيان السيادي الذي تذكر فجأة بعد أن فاحت رائحة الصفقة أن “الظروف الاقتصادية” غير مواتية، وأنه يلغيها تقديراً لهذه الظروف، وليس لأنها ممارسة فاسدة في تقديره السياسي، فاسدة في تجاوزها للمعايير القانونية وفي عدم الحرص على المساءلة القانونية على خرقها، وفاسدة لفقدانها الحس القيادي، ولعدم الاستعداد لتحمل المسؤولية.
(5)
قبل بضعة أسابيع ظهرت السيدة وزير المالية المكلفة رفقة قوة نظامية في ضبطية لما قيل إنها دلالة فساد وهي تعلن بقوة “أن زمن الغتغتة والدسديس انتهى”، لتلوذ بالصمت في حادثة الفارهات السيادية، لندع جانباً اعتبارات خروجها الفاضح في سياق الوضع الاقتصادي المأزوم، بل لتمريرها للصفقة بالموافقة عليها في مخالفة صريحة لقوانين التعاقد والشراء ولوائح الإجراءات المحاسبية، فلا أسكت الله لها حساً.
أما المجلس السيادي فقد بات ممتحنا في صدقيته واستقامة مواقفه وهو يتصدى عبر اثنين من أعضائه عسكري ومدني لقيادة لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد، فكيف يقفون مرة أخرى أمام الملأ ليحاسبوا ممارسات “النظام البايت”، إذا كانت لا تزال حية تسعى؟ّ

Leave A Reply

Your email address will not be published.