Bank of Khartoum Visa Card

“عقارب” في البيت البيض!!

نصف رأي ||خالد التيجاني النور

(1)
يبدو أن مفارقات إدارة شؤون الحكم الانتقالي أصبحت عجائبه لا تنقضي، لا لشيء إلا لمفارقته ما تقتضيه القواعد والتقاليد المرعية في ولاية الأمر العام بغير اعتبار لمشاركة الرأي العام، واستهانته للمؤسسية حتى في أدنى حدودها، والمسألة هنا لا تتعلق بالحجر على ولاة الأمر في ابتدار ما يرون فيه من وجهة نظرهم محققاً لخير الصالح العام، إلا أن لذلك أصول وأسس لا يمكن تخطيها والقفز من فوقها، فليس لهم الانفراد باتخاذ القرار بدون مشورة كافية ومشاركة لأصحاب الشأن سواء في ديوان الدولة، أو في أوساط الرأي العام، لا سيما إن كان نظام الحكم يتكئ على رصيد ثورة شعبية أتت بمن هم في سدة الحكم ليخدموا أجندة التحول الديمقراطي، وليس تكريس أساليب الأنظمة الشمولية التي تنكر على الشعب حقه في الإطلاع والمشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية التي يملك وحده الحق في إقرارها.
(2)
ومن المهم هنا التنبيه لقادة أجهزة الحكم الانتقالي، أنه لاينبغي لها أن تنسى أنها لا تملك تفويضاً أصيلاً بذاتها غير الذي حظيت به بفضل ثورة ديسمبر المجيدة وخدمة أهدافها، ولكن مع ذلك تزايدت في الآونة الأخيرة بصورة مثيرة للقلق دلائل عدم إيلائهم أي اعتبار للرأي العام أو حرص على مشاركته بوضوح وشفافية ونزاهة في التشاور أو حتى مجرد إطلاعه على سير الشؤون العامة التي هي من صميم واجباتهم، وليت الأمور كانت تمضي على نحو أفضل لهان الأمر، ولكن في ظل تراكم الفشل ومعايشة لواقع مرير، إزداد لجوء الطبقة الحاكمة إلى خطاب ملتبس وممارسات في إدارة الشأن العام، أقل ما توصف به أنها لا تحترم عقول الشعب، ولا ترى بأساً في التحايل المتعمد على الحقائق.
(3)
والأمثلة أكثر مما تُعد مما لا يتسع لها هذا المجال، ولكن نضرب مثلاً واحدا لا يخلو من مفارقة بالغة الطرافة، والنذر في آنٍ معاً، ففي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه وزارة الخارجية أنها “شرعت في إعداد رؤية شاملة لموجهات سياسات البلاد الخارجية في فترة الحكم الانتقالي”، كانت السفيرة أميرة عقارب القائم بأعمال السفارة السودانية في واشنطن تمثّل البلاد رسمياً بالمشاركة في مراسم احتفال البيت الأبيض بتوقيع اتفاقية “إبراهام” للسلام بين إسرائيل وكلا من دولة الإمارات العرية المتحدة، ومملكة البحرين برعاية الرئيس دونالد ترمب، والسؤال كيف تسنى للحكومة القيام بهذه الخطوة ذات الدلالة الواضحة في سياق التحركات الأمريكية للضغظ على عدد من الدول العربية للحاق بقطار “صفقة القرن” بدون تفويض؟
(4)
تأتي مشاركة السودان الرسمية في اتفاقية “أبراهام”، على الرغم من الموقف الحكومي المعلن، لتعيد من جديد طرح التساؤل حول حقيقة الموقف الحكومي من مسألة التطبيع، لا سيما وأن البيان الحكومي حينها أعطى إشارات ملتبسة بهذا الشأن حينما إشار إلى إمكانية طرح هذا الموضوع بعد اكتمال مؤسسات الحكم الانتقالي في إشارة إلى قيام المجلس التشريعي، بعد تأكيدها في صدر البيان إلى أنها غير مفوضة بذلك دستورياً، في وقت صمت رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الإدلاء بأية تصريحات عقب محادثاته مع بومبيو، فيما أشارت تسريبات وفق تقارير دبلوماسية إلى أن المحادثات بين الرجلين مضت إلى ما وراء البحث في المبدأ المتوافق عليه بين الطرفين، إلى التفاوض حاول المكاسب التي ستتحق جراء ذلك فيما بإعادة تركيب معادلة الفترة الانتقالية الراهنة وهياكلها وفق توازنات قوة جديدة مدعومة دولياً برافعة التطبيع.
(6)
تضع هذه المشاركة رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك في حرج سياسي بالإشارة إلى موقف حكومته المعلن، وتعني هذه المشاركة الرسمية في احتفال التطبيع واحدا من احتمالين، إما أنها تمت بموافقة مشتركة بينه ورئيس المجلس السيادي على هذه الخطوة، أو أنها فرضت من جانب الفريق البرهان المتحمس للحاق بركاب التطبيع منذ مبادرته المنفردة بلقاء نتنياهو في عنتبي في فبراير الماضي، وفي كلتا الحالتين فإن رئيس الحكومة يجد نفسه مطالب بتوضيح موقفه للرأي العام، لا سيما ان إدارة السياسة الخارجية هي من صميم مسؤوليته.

Leave A Reply

Your email address will not be published.