ذو النون (راكب راس)

-1-

قبل أشهر نبَّهتني شقيقتي الصُّغرى لفيديوهات الناشط السياسي ذو النون، وقالت لي إنه شخص جديرٌ بالاستماع إليه.. كانت تتحدث عنه بإعجاب ودهشة. بعد متابعة بعض لايفاته وجدته مُثيراً للانتباه، ولاحظتُ أنه يحظى بمتابعة واسعة بمواقع التواصل الاجتماعي من قطاع الشباب، لا يجدها غيره من الناشطين السياسيين . عبْتُ عليه في إحدى اللايفات إيراده على سبيل الكيد والسخرية، معلوماتٍ غير صحيحة عن شخص أعرفه.

-2-

منذ بداية الاحتجاجات كان واضحاً بالنسبة لي ولكثيرين غيري، وكتبتُ في هذه المساحة أن البعد الاجتماعي هو الأبرز في مسارها التصاعدي. لم ينتبه حزب المؤتمر الوطني إلى أوان سقوط حكومته، لأمرٍ لم يكن يوليه اهتماماً، حتى أصبح حاضراً في الواقع كأزمة قابلة للانفجار. لم ينتبه لوجود قطيعة جيلية بينه وقطاع الشباب، تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية، قطيعة عميقة وواسعة تفصل بينه وشريحة الشَّباب، ذات الحضور الأكبر والصوت الأعلى في المجتمع. آخر تعداد سكاني، أثبت أن السودان قُطْرٌ شاب، إذ تتراوح أعمار ساكنيه بين الخامسة عشرة والخامسة والستين. تُقدَّر نسبة هذه الشريحة العمرية بحوالي ثلاثة وخمسين بالمائة تقريباً من إجماليِّ السكان. أما الذين تقلُّ أعمارهم عن الخامسة عشرة، فتُقدَّر نسبتهم بقرابة ثلاثة وأربعين بالمائة. في حين نسبة من تزيد أعمارهم على الخامسة والستين عاماً حوالي ثلاثة بالمائة فقط!

-3-

المؤتمر الوطني وغالبُ التكوينات السياسية الأخرى – باستثناء حزب المؤتمر السوداني – لم تكن تملك رؤيةً وخطاباً لجيل الشباب، حتى قال الدكتور إبراهيم صديق في لحظة صدق مع الذات: (نحن نتحدَّث بلُغةٍ قديمة مع جيل جديد). جيلٌ جديدٌ صاعد، له قاموسٌ مُختلفٌ ولغةٌ خاصة، وأحلام وتطلُّعات مُتجاوزة للمعروف والمألوف والمُعتاد. جيلٌ يأتي إليه العالم على جهاز هاتفه الصغير، فتتَّسع لديه دائرة الرؤية، فتفيض العبارة رمزاً وإيحاءً، فتسري على إيقاع (التيك أوي) ومذاق (الميلك شيك)! جيل ألحقته ثورة التعليم بالجامعات، وكثيرون منه درسوا وسهروا وتعبوا، وخرجوا إلى الحياة العامة بأجنحة البرق وأحلام العصافير، ليجدوا خياراتهم مُغلقةً والمُتاح محدود، بين بيع الرصيد وقيادة الركشة والجلوس مع ستات الشاي. جيلٌ بكُلِّ هذه المواصفات والاهتمامات والطُّموحات الجريحة، يجد أمامه صفوف الخبز وشُحَّ الوقود وندرة النقود، كيف لا يحتجُّ ويغضب ويثور؟!!

-4-

شعبية ذو النون.. ظاهرة تستحق البحث والدراسة، حينما يصبح الفرد رمزاً موازياً للجماعات ومُنافساً بقُوَّةٍ للأحزاب. هو واحدٌ من اكتشافات ومُنتجات الأسافير التي أثبتت قُدرتها على تحويل الواقع الافتراضي إلى حقائق على الأرض. أعتقد أن المصدر الأساسي لشعبية ذو النون، امتلاكه شفرة التواصل مع الشباب، يضاف إلى ذلك نزوعه الاستقلالي المُتمرِّد خارج أطر المُعتاد، وقوة منطقه السياسي والقانوني، وبساطة تعبيره، وحسِّه الدرامي الممزوج بالفكاهة وإيقاعات الراب، ولغته المرتوية من مجرى قاموس الشباب (صابنها وراكبين راس). ذو النون يُقدِّم نمطاً سياسياً جديداً، مُستفيداً من أدبيات أركان النقاش والمزاج الإسفيري السائد، سياسيٌّ شابٌّ اختار توقيت وبوابة دخوله إلى المسرح بعناية فائقة، وأدوات فاعلة وناجزة.

-أخيراً-

ذو النون وأيمن ماو وجهان لعملة اجتماعية واحدة، ستحكم وترسم ملامح المستقبل القادم.

اترك رد