من الانفلات الأمني إلى نقص الخدمات”شيطان الدولة العميقة”.. أظافر تبحث عن التقليم

الخرطوم: محمد عبد العزيز

أكثر من يتقف عليه المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، هو ضرورة التوصل لاتفاق حول ترتيبات نقل السلطة للمدنيين في أسرع وقت إلا أن “شيطان الدولة العميقة” يعطل التقارب بين شركاء الثورة، ويعمل بشهادة الطرفين على صناعة الأزمات في مجال الانفلات الأمني وحوادث النهب ونقص الخدمات “الكهرباء والمياه وتوزيع الوقود والدقيق”، فضلا عن عمليات إرهابية يخطط لها بحسب السلطات الأمنية التي ضبطت أسلحة ومتفجرات جاهزة للاستخدام في عمليات تخربية حسبما جاء في تصريحات لقيادات في قوات الدعم السريع بعد عملية دهم لمنزل في ضاحية الطائف شرق الخرطوم، لذلك يبدو أن الدولة العميقة تمثل واحدة من أبرز تحديات التغيير الحقيقي بتجذرها الأمني والعسكري الاقتصادي والخدمي.

تحدٍّ حقيقي
تصفية الدولة العميقة عملية تبدو معقدة خاصة فيما يتعلق بوجود عناصر أيدولوجية في القوات النظامية بالإضافة إلى القضاء والإعلام فضلا عن الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء تمثل نتاج ثلاثة عقود من التمكين والإحلال والإبدال.
القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير الدكتور محمد ناجي الأصم، أكد أن معركتهم مازالت مستمرة مع أذيال النظام السابق، متهماً إياهم بالمسؤولية عن الأزمات التي مازال الشعب السوداني يعيشها حتى الآن خاصة أزمتي الوقود والخبز.
وأشار الأصم إلى أن قوى الحرية والتغيير تهدف لإقامة دولة مدنية وتفكيك النظام السابق وإعادة تأسيس الدولة السودانية الحديثة، مشيراً إلى أن عدداً من رموز النظام السابق مازالوا طلقاء ومن بينهم المسؤولون عن قتل المتظاهرين، مشدداً على أن نقل السلطة للمدنيين سيساعد في إصلاح هذا الخلل. بالمقابل كشف المجلس العسكري الانتقالي أن الخلية التي تم ضبطها الأيام الماضية تتبع للأمن الشعبي، وأكد أنه إذا تعاونت معه قوى الحرية والتغيير أم لم تتعاون فسيقضي على الدولة العميقة.

تسريع التصفية
قوى الحرية والتغيير ترى أن المجلس العسكري تباطأ في التعامل مع الدولة العميقة، وهو ما دفعها للمطالبة بتسريع عملية نقل السلطة، العديد من قيادات قوى الحرية والتغيير أشارت إلى أن سيطرة الدولة العميقة على كل المؤسسات تعرقل عملية الانتقال بل وحتى الحوار مع السياسي الذي يجري حاليا خاصة في حال الحاجة لاستشارة فلن يجدها إلا من الدولة العميقة، ووفقا لهذه الرؤية فلن تتحق أهداف الثورة، قبل أن يسرع الجيش بعملية نقل السلطة حتى تطلع الحكومة بمهامها، من ضمنها تصفية الدولة العميقة، لا سيما أن هناك مخاوف من أن تحدث انتكاسات يقودها بقايا النظام السابق مثل التفجيرات، خاصة بعد ضبط أسلحة وأحزمة ناسفة.
القيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير عمر الدقير، قال إن تعطيل التفاوض مع المجلس العسكري وتأخير نقل السلطة مرده لوجود دولة عميقة، مازالت تسيطر على شتى مناحي الدولة.
الدقير يقول إنه يمكن محاصرة مثل هذه التحركات الإرهابية عبر حكومة قوية تقوم بدورها في المحافظة على الأمن، خاصة في ظل انتشار السلاح، ويضيف أيضا: “ما نريده أن نعيد التوازن لأجهزة الدولة والمجتمع، يجب ألا نواجه الدولة العميقة بطريقة انتقامية أو إقصائية، يجب إبعاد أصحاب الولاءات الحزبية من كل أجهزة الدولة بما فيها الأجهزة النظامية، ولا بد من مراجعة كل أجهزة الدولة وإبعاد العناصر المسيسة التي ليست لديها الكفاءة، وهذا لن يتم بين يوم وليلة، وهو برنامج عمل متكامل”.
تقول الخبيرة في شؤون السودان بمركز “تشاتام هاوس” للأبحاث بلندن روزاليند مارسدن، أن البشير والحركة الإسلامية “بذلا جهودا كبيرة لتأسيس دولة إسلامية عميقة”، من خلال إنشاء قوات أمنية متعددة وميليشيات ظل. وتضيف أنهم “أسسوا الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى ومكنوا المطلعين على أسرار النظام من السيطرة على القطاعات والشركات الرئيسية في الاقتصاد”.
تقول مارسدن التي عملت كسفيرة سابقة لبريطانيا بالسودان، إن “أي تغيير واضح (للنظام السابق) يتطلب تفكيك ميليشيات الظل الإسلامية وإصلاحا شاملا للقطاع الأمني تحت إشراف المدنيين”، وتضيف أن “هذه العملية من المحتمل أن تستغرق بعض الوقت حيث أن تأسيس الدولة العميقة تم على مدار 30 عاما”.
سيطرة النظام السابق على الدولة تمت على مراحل بدأت بالسيطرة على المؤسسات بالكامل بعد الانقلاب في 30 يونيو 1989 قبل أن تقوم بعدها ببناء مؤسسات موازية خاصة في مؤسسات (الشوكة) (جيش-دفاع شعبي، أمن-أمن شعبي، إلخ…)؛ فهي لم تكن بحسب الصحفي والمحلل السياسي أبوذر الأمين تضمن سيطرتها على تلك المؤسسات لاعتبارات تتعلق بطبيعة تلك المؤسسات ولوائحها التي تحد من حركتك ضمنها وتمنع وصولك لأهدافك.
ويلفت الأمين إلى أن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة سواء الخدمة المدنية أو النظامية لن يقض على الدولة العميقة باعتبار أن الوجود الفعال للدولة العميقة عبر كوادر مكاتبها الخاصة يكون في مؤسسات الظل الموازية خاصة المسلحة منها والتي يقودها أشخاص من ذوي الولاء يتمتعون بإمكانيات غير محدودة من المال والسلاح تمكنوا خلال السنوات الماضية من التمدد والتغلل داخل المشهد السياسي والاقتصادي من أحزاب وحركات ومؤسسات وشركات عبر شبكة مصالح مباشرة وقوية وشخصية ومتجددة تتجاوز أي أيدولوجيا.

تحديات التفكيك
تفكيك الدولة العميقة عملية ليست سهلة سواء على مستوى إعادة الهيكلة أو تغيير لقيم وبرامج إقصائية تكرس لخدمة جماعة أو أفكار محددة، وهو ما يمثل جزء من التحديات المتصلة بهزيمة مشروع سياسي إقصائي قائم على انتهاك حقوق الإنسان والحريات ويكرس للتدخل في شؤون الدول الأخرى وهو ما يلقي بظلاله على رؤوس الأموال واتجاهات تدفقها.
الجانب الاقتصادي الذي مثل حجر الزاوية في مشروع تمكيني بدا منذ سبعينيات القرن المنصرم قبل أن يتحول مطلع التسعينيات لدولة ومؤسسات يستلزم اتخاذ حزمة من الترتيبات لمحاصرة الدولة العميقة وتجفيف مصادر تمويلها دون الأضرار بحركة الاقتصاد عامة عبر التمييز بين المال والسياسة، واستهداف النشاط الاقتصادي للدولة الموازية لـ(الجبهة الإسلامية) –مع تغيير مسمياتها- وهنا يستلزم على أجهزة البحث والتحقيق التمييز بين من استفادوا من علاقاتهم للحصول على امتيازات دون وجه حق وبين من خلقوا علاقات مع النظام السابق لحماية مصالحهم وتأمينها تجاه نظام غاشم.

اترك رد