العين الثالثة ||ضياءالدين بلال

سوق البذاءة!

-١-

آليتُ على نفسي الإعراضَ عن سفه السفهاء وجهل الجهلاء، وعدم الدخول في الوحل لمصارعة الخنازير؛ فأنت حتى لو صرعتهم لن تسلم ثيابُك من الاتِّساخ، فإن كان عليك ردعهم فالأوْلى إخراجهم إلى مكان نظيف وغسلهم بماء المنطق وكيّهم بمِكواة الحق.
حتى على صفحاتي بوسائل التواصل الاجتماعي للصَّبر مُتَّسعٌ وللحلم مثله، بتحمُّل النقد مهما كان قاسياً وجائراً، فمنه نأخذ ونرد؛ أما بالبذاءة وقلَّة الأدب فلا.. وفي سلَّة الحظر مكانُ لكُلِّ مُعتدٍ  فاحشٍ أثيم.
-٢-
من ضمن المُرسَلين إلى قائمة الحظر بسبب البذاءة وقلَّة الأدب، المدعوُّ النكرة الجهلول  المُتصحف علاء الدين محمود.
أعرفه منذ سنوات، حينما جاءني للعمل معي محرّراً بالقسم السياسي بصحيفة (الرأي العام)، حين كان القسم يضم أميز وأنبه الصحفيين، وكان ملفه السياسي قبلة القراء كلَّ سبت.
جاءني ذلك الغرير مُتشبِّهاً بسمت المُثقفاتية: بنطال جينز متسخ، وقميص مُهمَل الأزرار وشعر مُتنافر، كان يُكثر من العبث بسبيبتَيْن أماميَّتين.
ظننتُه حين وهمٍ وحسن ظن، مُثقّفاً طليعياً أو ذا صلةٍ بالثقافة والفكر.
من أوّل مادة قدمها لي بعد أكثر من أسبوعين من الجيئة والذهاب المُترنِّح، وجدتُّني أمام مُحرِّرٍ ضعيف القدرات معلول الأدوات، يغرف من  معين ضحل، مياهه ملوثة ومالحة لا تصلح  للاستخدام  الصحفي.
قاموسه لا يتجاوز بضعَ كلمات من الأدب  السياسي الماركسي، وقليلاً من الأقوال المأثورة لماركس ولينين، مع ادّعاء عريض وغرور ماسخ.
-٣-
في مُبادرة فطيرة ذهب لمُحاورة الراحل المقيم الأستاذ محمد إبراهيم نقد، وحينما بدأ بطرح أسئلة سطحية وساذجة ومُتعالية، زجره نقد وأوقف الحوار، ونصحه بالجلوس معي لمُساعدته في وضع المحاور، وأخبرني نقد بذلك عبر اتصال هاتفي. كنتُ قد انتهيتُ قبل أشهر من ذلك الموقف من نشر سلسلة حوارات مع نقد، استمرَّت لستّة أشهر كلَّ يوم اثنين من كلِّ أسبوع تحت عنوان (نقد.. حكاوي المخابئ وأحاديث  العلن)، أصدرها الأستاذ نور الهدى مدير دار عزة للطباعة والنشر في كتاب، ومنذ ذاك أسرَّ الغلام في نفسه غبناً وغيظاً.
في كلِّ فترة وجوده معنا، التي لم تتجاوز الأربعة أشهر، وأظنّها الأطول في عمله بالصحف، لم نستلم منه سوى مُساهمات هزيلة الصياغة ضعيفة المحتوى.
يعرف غالب الزملاء أن السنوات التي قضاها علاء الموهوم، تحت الشجرة واحتساء الشاي من (حليوة)، أطول من فترات عمله المُتقطعة في الصحف!
حينما لم تُسعفه لياقته المهنية لمجاراة زملائه  في القسم السياسي، كان القرار بأن يضع قلمه المُعوج، ويغادر صالة تحرير (الرأي العام).
-4-
حينما فشل في العمل الصحفي، ذهب مع آخرين لتكوين ما يُعرف بشبكة الصحفيين المُنقسمة على نفسها بين ناشطين وصحفيين، ومن خلال منبر الشبكة عمل على تصفية حساباته القديمة، بموسى صدئة مع الصحف التي لم ينجح فيها كمُحرِّر فأراد مُصادرتها كثائرٍ مُزيَّف!
لماذا كان عليَّ كشف كُلِّ ذلك لكم الآن؟ السبب أن هذا الموهوم الجهلول ظلَّ يتعرَّض لي بالإساءات المُباشرة، وعبر الهمز واللمز الخائب، وكنت أصفح وأعفو مترفّعاً، ويبدو أن ذلك أغراه بالتمادي إلى حدود البذاءة والكلمات السوقية، فكان لا بدَّ من الردع والأخذ برخصة الجهر بالسوء حين التمادي في الظلم؛ فاحتمال الجهل مُمكنٌ والصفح عن الغرور متاحٌ، أما الاثنان معاً مضاف إليهما البذاءة فـ”لا”.

اترك رد