العين الثالثة ||ضياء الدين بلال

أغلال (العطا)!

-1-
بكل صدقٍ، لم أستسغ بعض ما أدلى به الفريق ياسر العطا للزميلة (الانتباهة) أمس، وهو يتحدَّث عن اللَّحظات الأخيرة لاعتقال الرئيس السابق عمر البشير.
العنوان الذي حملته (الانتباهة) في عددها وتناقلته وكالات الأنباء: (أنا من اعتقل الرئيس المعزول وقيَّدته بالأغلال)!
قبل أكثر من شهر، انتشر تسجيلٌ بوسائل التواصل الاجتماعي للفريق جلال الشيخ الطيب، نائب مدير جهاز الأمن السابق، في مُناسبة اجتماعية، وهو يُقسم قسماً مُغلَّظاً ويحلف بأبنائه مُلوِّحاً بعصاه، أنه من قاد التغيير وتسبَّب في عزل البشير!
وقياديٌّ آخر يتحدَّث لبعض الصحفيين في جلسات خاصة، مُدَّعياً أنه مايسترو الثورة، ولولاه ما سقط البشير ولما أشرق فجر التغيير!
وغداً سيأتي آخر، ومن بعده آخر، بادِّعاء بطولي جديد.. لا يكتفون بادِّعاء البطولة، بل يعملون على احتكارها لذواتهم الفانية!
-2-
هذا الحديث الذي تعلو فيه الأنا المُتهافتة، وتبين من خلاله أسنان الرغبة العارمة في احتكار الأدوار وادِّعاء البطولات، لا يليق بالكبار.
الوقت مايزال مُبكِّراً لهذه الادِّعاءات، فمع توالي الأيَّام وتتالي الإفادات وإعمال أدوات الجَرح والتعديل على المتون والرواة، مع أقوال شهود العيان؛ ستكتمل الصورة وتتَّضح الحقائق من الأكاذيب.
الوقت مايزال مُبكِّراً لنعرف إن كان هذا التغيير سيُحقِّقُ أهداف الثورة على أرض الواقع، فننعم بحريَّة كاملة وسلام مُستدام وعدالة راسخة، ما سينتهي به المطاف إلى تنافس على الغنائم وتسابق على المناصب؟!!
قديماً كان يُقال: (الثورة يصنعها الشرفاء ويقودها الشجعان ثم يسرقها الجبناء).
قناعتي أن حديث الفريق جلال الانفعالي مردُّه إحساسٌ مريرٌ بالخروج القهري من المسرح تحت صيحات المُتفرِّجين وتحريض الكائدين.
أما ما قاله الفريق العطا في حديث الأغلال، فهو محاولة تعويضية ردّاً على الحملة الشرسة التي واجهته، بعد حديثه في (قرِّي) بحضرة الفريق حميدتي!
-3-
لا أعتقد أن هناك ما يدعو للفخر والتباهي، بأن يقوم العطا بتقييد البشير بالأغلال، فهذا ليس فعلاً بطولياً استثنائياً يستحقُّ الاحتفاء.
المعلومات المُؤكَّدة، أن البشير نُقِلَ إلى كوبر بعد أيَّام من إحداث التغيير في الحادي عشر من أبريل، أي بعد سقوط سُلطته وتجريده من كُلِّ عناصر القوة.
عندما قام العطا بما ادَّعى – إن صحَّت الرواية – فهو يضع الأغلال على يدَي رجل سبعيني أعزل، لا على يدَي رئيس حاكم كان يُقاوم ويقاتل دفاعاً عن سُلطته!
-4-
من الآثار السالبة للثورات، أنها تفتح الباب واسعاً أمام الادَّعاءات والأكاذيب وامتطاء أحصنة البطولة في عالم الخيال والزيف.
كثيرون يُحاولون تغيير سيرتهم الذاتية، ويدَّعون لأنفسهم أدواراً وهمية، ويتسابقون لحجز مقاعد مُتقدِّمة في مسرح التاريخ، وآخرون يُريدونها (حاضرة): مقعد وثير وعلو ذكر!
تجدهم ينتقلون بسرعة (أشعبية) من مائدة إلى أُخرى دون غسل الأيدي، ويُغيِّرون ملابسهم وأقنعتهم، بخفَّة لصوصية، مع إطفاء الأنوار والعودة للفاصل الجديد!!
-5-

في أيام الثورة المصرية، كتب الصحفي عبد اللطيف المناوي مقالاً بديعاً، تحت عنوان (البطولة الوهمية).
جاء في المقال: (إنهم كي يعيشوا في الوسط والمستوى ودائرة الضوء التي يريدونها، فإن الطريق لذلك هو ادّعاء البطولة والحكمة بأثر رجعي. فسنكتشف من كان واقفاً موقف المُتسوّل لنظرة رضا من مسؤول سابق يخرج اليوم ليتحدّث عن بطولاته وصولاته وجولاته في مجابهة هذا المسؤول، ويخرج آخر ليدّعى أنه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين الذين لم يسمعوا له ولحكمته، فدفعوا الثمن بخروجهم المرير).
-6-
كثيرون أسمع اليوم أصواتهم عالية، وأرى ادّعاءاتهم العريضة. يدّعون ثوريةً كذوباً ويسبحون مع التيار ويرقصون على الحبال ويدسّون صوتهم في كورال الثورة.
كانوا بالأمس يقرعون أبواب المسؤولين ليل نهار، ويتودَّدون إليهم بالأقوال والأفعال والابتسامات اللوامع، علَّهم يكسبون رضا ويزدادون كيل بعير!
كلّما رأيت هؤلاء واستمعت إليهم تذكّرتُ مقولة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: (أكثر المواقف تطرُّفاً هي محاولة لإخفاء أكثر المواقف انتهازية)!

اترك رد