الحكومة الانتقالية.. بين رفع الرواتب وخفض الأسعار

الخرطوم : إدريس عبد الله

منذ ديسمبر الماضي، ظلّت الأوضاع الاقتصادية في بلادنا تمضي في تَدهُورٍ مُريعٍ حتى أودت بنظام الإنقاذ إلى (مُتحف) التّاريخ، لكن المُتابع لا يجد كبير عناءٍ في مُلاحظة أنه ورغم انتصار ثورة الشعب، إلا أنّ الأوضاع الاقتصادية مَضَت في سوئها ما جعلها تُشكِّل أكبر التحديات أمام الحكومة الانتقالية المُرتقبة، وبعد سنواتٍ عِجَاف (يتعشَّم) المُواطنون في تحسين أوضاعهم الاقتصادية، ومن هنا يأتي السُّؤال: ما هي الروشتة التي سَتصرفها الحكومة القادمة لحل (المُشكل الاقتصادي) هل سترفع الحد الأدنى للأجور لكل العاملين – حسبما ترى دراسة تجمُّع المهنيين السُّودانيين-؟ أم ستلجأ لإصلاحات اقتصادية تقود إلى خفض الأسعار بالسوق؟
السطور التالية نستعرض من خلالها (ما يطلبه المُواطنون)
وما يراه الخُبراء من الاقتصاديين وأهل الشأن…

راتب سريع الذوبان
“دايرنهم الاتنين يا ولدي” هكذا بدأت الخالة علوية “40 عاماً”؛ حديثها لـ(السوداني)، وأضافت بقولها إنّ زيادة المئة والمئتي جنيه لا تغيِّر شيئاً في حياة (المساكين) طالما أنّ الأسعار تصعد بسُرعة البَرق، مُؤكِّدةً أنّها تعمل (فرَّاشة) بإحدى مدارس الخرطوم بحري، وتعول أسرة من ثلاثة أطفال، وقالت إن راتبها لا يكفي لأسبوعٍ واحدٍ، إذ أنها تصرف “1750”جنيهاً وهذا بعد زيادة الرواتب الأخيرة، في عهد النظام البائد، مُشيرةً إلى أنّ هذا الراتب يضيع في المُواصلات والمصروف اليومي لأطفالها بالمدرسة.. وطالبت الخالة علوية بضرورة التّوازُن ما بين زيادة الأجوار وضبط الأسواق خُصُوصاً السلع الاستهلاكية، ونادت بتوقيف تصدير اللحوم والسُّكّر وغيرها من السِّلع الأساسيّة، مُعضدِّةً ذلك بقولها “الزاد لو ما كفَّ ناس البيت يحرم على الجيران”، إذ كيف يصل كيلو لحمة البقر إلى “320” جنيهاً والضأن “400” جنيه في بلد هو الأعلى إنتاجاً…؟

وَقتٌ طَويلٌ
من ناحيته، يرى الأستاذ أبو عبيدة محمد أنّ الأفضل للمُواطنين خَفض الأسعار وَضَبط السُّوق مِن قِبل الجِهَات المُختَصّة، مُوضِّحاً أنّ زيادة الأجور تقابلها زيادة في الأسعار وبذا نكون كَمن يَحرث في البحر، وهذا يؤدي إلى زيادة مُعاناة المُواطنين واشتعال أسعار كل السِّلع ويكون أصحاب الدُّخل المَحدود هُـم أكثر المُتضرِّرين.
مِن جهتها، قَالَت الطَالبة الجَامعيّة أميمة، إنّها تَرَى زيادة الأُجور في الوقت الحالي حتى يستطيع المُواطن الحُصُول على احتياجاته، واعتبرت أنّ سياسية خفض الأسعار تحتاج لوقتٍ طويلٍ، موضحة أنّ سياسة خفض الأسعار تحتاج لسياسات اقتصادية طويلة الأمد تقوم على زيادة الإنتاج وخفض سعر الدولار الجمركي وغيرها من سياسات، وَأَضَافَت أنّ ذلك يأخذ وَقتاً طَويلاً لا يَستطيع المُواطن أن يَتَحمّل كُل هَذَا العَنَاء!

دراسة متخصصة
تجمُّع المهنيين السُّودانيين، من جهته كان قد أجرى دارسة مُتخصِّصة عن أُجور العاملين والمهنيين بالسُّودان، وحسب نتائج تلكم الدراسة، فإنّ الحد الأدنى للأجور وَصَلَ إلى ما يُعادل (8,9 دولار) في الشهر، وأنّ هذا الأجر يغطي ما يعادل 2,8% فقط من تكاليف المعيشة والتي أكّدت الدراسة أنها تبلغ (15218) جنيهاً لأسرة تتكوّن من خمسةِ أفرادٍ، ما يعادل ( (320 دولاراً – حسب الدراسة – علماً بأنّ هذه التكلفة لا تشمل الحاجات الكمالية والطوارئ والمُعاملات الاجتماعية. وأوضحت الدراسة التي أعدّها تجمُّع المهنيين السودانيين حول وضع الأُجور أنّه منذ العام 2013 ظلّ الحد الأدنى للأجور ثابتاً في مكانه لا يتزحزح عند 425 جنيهاً، وذكرت الدراسة أنّ الحد الأدنى للأجور لا علاقة له بواقع حال اليوم، لجهة أنّه يبعد عنه بُعد المشرق عن المغرب.

اتّحاد العمال يعترف!!
اتّحاد عام عُمّال السودان تحدَّث مِراراً وتِكراراً عَن دراسة يعدّها لزيادة الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام بواقع 2926 جنيهاً، وقال أمين علاقات العمل باتّحاد عُمّال السودان خيري النور لـ(السوداني)، إنه بحسب الاتّفاق مع الدولة عند إجازة موازنة العام ٢٠١٩م، فإنّ زيادة الحَدّ الأدنى للأُجور اِستندت على دِراسة المجلس الأعلى للأجور للعام الحالي، مُشيراً إلى أنّ تكاليف المَعيشة لأُسرةٍ مُكوّنةٍ من خمسة أشخاص، فإنّ متوسط إنفاقها الشهري يبلغ أكثر من ثلاثة عشر ألف جنيه، مُنوِّهاً الى أنّ الاتحاد تبنى هذه الدراسة باعتباره شريكاً مع أصحاب العمل والدولة مُمثلةً في الأجهزة المُختصة والذين يمثلون الشركاء الاجتماعيين الثلاثة حسب القوانين والاتفاقيات الدولية، مُؤكِّداً أنه من المعلوم أن دراسة الحد الأدنى للأجور يعدها الجهاز المركزي للإحصاء سنوياً.. وأقر خيري بأنّ ذات الدراسة تقوم على تحديد إنفاق الأسرة الشهري للخدمات بتكلفةٍ قديمةٍ تتطلّب تجديدها حسب القيمة الفعلية لمُتوسِّط الإنفاق لتلك الخدمات كما هو في أسعار السلع المُتزايدة بصُورةٍ كبيرةٍ، مِمّا يجعل نسبة الأجور للأسعار أقل من 10% خَاصّةً بعد مُـوازنَـة العام ٢٠١٨م التي رَفَضَهَا الاتّحاد آنذاك.

زيادة الأُجُـور
وفي السياق، ذاته قال الباحث الاقتصادي في مجال التنمية والسياسات العامة نجم الدين داؤد لـ(السوداني)، إنّ قيمة الأجر بشكلٍ عامٍ يُؤخذ من مقدار ما تسده للعامل من حاجة اقتصادية، أو مقدار مَا تُقدِّمه له من المنفعة الاقتصادية، وبناءً على المُستوى العام للأسعار والحد الأدنى للتكاليف المَعيشية في البلد المَعني يتم تحديد نظام الأُجور والرواتب في أية دولة، وأوضح داؤد أنّ هذه الفرضية يعمل بها في وجود دولة تتمتّع بنظامٍ اقتصادي مستقر ٍفي المُستويات كَافّة وخَاصّةً مُستويات الأسعار، مُؤكِّداً عدم القدرة على إسقاط هذه الفرضية والعمل بها في السودان، ووصف داؤد حالة السودان فيما يلي ظاهرة ارتفاع الأسعار أو التكاليف المعيشية بـ”المعضلة الاقتصادية الكبرى”، وقال إن السودان ظَلّ يُعاني من هذه المعضلة المُرتبطة بالنّمط الاقتصادي العَام في السودان ومُستوى الإنتاج وتآكل القُوة الشِّرائية للجنيه السُّوداني الناجم من نسبة التّضُّخم العَالية ونُدرة النقد الأجنبي، وتابع: في ظل نظامٍ اقتصادي ريعي يعتمد على الاستيراد بشكل أساسي في سد الطلب المحلي على السلعة.. هذه التركيبة المُعقّدة من المشاكل الاقتصادية التي تقف خلف تذبذبات الأسعار وعدم استقرارها ينبغي مُعالجتها بشكلٍ أساسي، وذلك عبر سياسات وإجراءات اقتصادية طويلة ومُتوسِّطة المدى تؤدي إلى استقرارٍ في أسعار الصرف والسلع الاستهلاكية أولاً، علماً بأنّ نتائج هذه السِّياسات تستغرق وقتاً طويلاً لا يستطيع العامل تحمُّل وطأتها ولذلك لا بُدّ من زيادة الأُجور على المدى القريب خَاصّةً في القطاع الحكومي حتى يتمكّن العاملون من مُواجهة مَوجة الأسعار الطاحنة ويتم تحول اقتصادي كلي يؤدي إلى التّوازُن المطلوب بين مُستوى الأجور والتكاليف المعيشية.

رؤية اقتصادية
ويرى الخبير الاقتصادي كمال كرار، أنه من الناحية الاقتصادية الأفضل خفض الأسعار وليس زيارة الأجوار، وذلك عن طَريق جُملة من الوسائل الاقتصادية منها: دعم السلع الغذائية، وتقليل تكلفة الإنتاج عن طريق تخفيض الضرائب أو الجمارك على مُدخلات الإنتاج، واتّباع سياسات نقدية ترفع من قيمة العُملة الوطنية.. وأضاف في حديثه لـ(السوداني) أنه بهذه الوسائل ستنخفض الأسعار بشكلٍ كبيرٍ ويُصاحب ذلك ضرورة الرغبات على الأسعار ونشأة هيئة لضبط الأسعار مع العمل على تشجيع قيام التّعاونيات في أماكن العمل والسَّكن وهذا يُخفِّض من الأسعار ويُحسِّن من معاش الناس.. وقال كرار إنّ هذه السياسة مطلوبة وضرورة الابتعاد من سياسة صندوق النقد الدولي أو ما يُسمى بـ(تحرير الاقتصاد)، الذي أضرّ بالاقتصاد الوطني.

سياسة تقشفية
ويقول عضو القطاع بحزب المؤتمر السوداني الاقتصادي، د. خالد عثمان لـ (السوداني)، إنّ زيادة الأجور تعني زيادة عرض النقود، وتعني بالتالي اقتصاداً تضخمياً مثلما حَدَثَ في فترة النظام البائد.. وتابع قائلاً: “الحسنة الوحيدة لزيادة عرض النقود هي تحريك الأسواق وزيادة الإنتاج وعيبها هو التضخم الذي يمكن أن يؤدي لانهيار اقتصادي حتمي”.. وزاد: “أما الإصلاح الاقتصادي إذا كَانَ مَقصوداً به هُنا السِّياسات التّقشفية الانكماشيّة فهو يحتاج إلى صبرٍ ووقتٍ وتخطيطٍ ولا أظن أنّ المُواطن مُستعدٌ لمثل هكذا برامج”.. مُردفاً “إذن نحن نحتاج إلى حُلُولٍ عبقريةٍ غير مُتوفّرة في الاقتصاد الغربي ورؤى تتماشى مع الوضع الراهن”.

إصلاحات اقتصاديّة
ويُؤكِّد المُحَلِّل السِّياسي د. حاج حمد محمد لـ(السوداني) أنّ زيادة الأُجور في صالح الفئات التجارية وليس في صالح السَّواد الأعظم من المُواطنين، لأنّ زيادة الأجور تُقابلها زيادة رفع الأسعار من قِبل الفئات التجارية وسَتظل المُشكلة قائمة.. وأضاف حاج حمد أنّ الحل يَكمن في إصلاحات اقتصادية بالنظر للاقتصاد الكلي وليس السياسة النقدية التي انتهت من الاقتصاد السوداني، وتابع قائلاً: الإصلاح يبدأ بمُراقبة أسعار السوق، حيث أنّ أرباح السلع المُستوردة لا تتجاوز 5% والمحلي 10% من أجل تشجيع المُنتجات المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الاقتصاد والخروج من السياسَة النقدية والنظر لها على أنها جُزءٌ من الاقتصاد الكلي.

اترك رد