لجنة (فض الاعتصام).. جدل التقييد والاستقلالية

الخرطوم: وجدان طلحة

فجر 3 يونيو الماضي لم يكن يوما عاديا.. فالعالم كله وقف شاهدا على أبشع عملية اغتيال جماعي بساحة الاعتصام في القيادة العامة لأكثر من 100 شهيد حسب لجنة الأطباء المركزية، فيما أشار وكيل وزارة الصحة وقتها إلى عشرات الشهداء.
ورغم مرور أكثر من 3 أشهر على تلك المجزرة ما تزال تداعيات ذلك الهجوم الذي وصفته الولايات المتحدة الأمريكية بـ(الوحشي) مستمرة فيما وصفته بريطانيا بـ(الشائن). وإزاء تلك البشاعة أصدر رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك أمس الأول قرارا بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في فض مجزرة القيادة العامة.. فكيف ستعمل هذه اللجنة؟ وما هو مصير اللجان السابقة التي تكونت لذات الغرض؟

لجنة مستقلة
هذه ليست المرة الأولى التي ترتكب مجزرة في توقيت هو الأقدس لدى المسلمين “شهر رمضان المُعظَّم”؛ فكما تعمدت أمريكا إعدام الشهيد صدام حسين في أول أيام العيد الفضيل، اغتال النظام المخلوع في العام 1990م 28 ضابطا فيما عُرف بحركة الخلاص الوطني ليسجلهم التاريخ تحت عنوان (شهداء 28 رمضان) ويوم الدم والدموع، دون أي حرمة الشهر الكريم، وما تزال أسر الشهداء يطالبون بالقصاص.
وعقب أحداث فض الاعتصام أعلنت قوى الحرية والتغيير المحرك للاحتجاجات بالبلاد تعليق المفاوضات مع المجلس العسكري ودعت إلى العصيان المدني، وطالب بلجنة تحقيق دولية في المجزرة. وكرد فعل للمجزرة عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لمناقشة الأوضاع في السودان.
وأمس الأول أصدر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قرارا بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في فض اعتصام القيادة العامة والأحداث التي تلته، استنادا على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية.

مكونات اللجنة
وبحسب نص قرار يترأس لجنة التحقيق، قاضي محكمة عليا، وممثل لوزارة العدل مقرراً، ممثل لوزارة الدفاع عضواً، ممثل لوزارة الداخلية عضواً، شخصية قومية عضواً، بالإضافة إلى محامين مستقلين.
وبحسب القرار، تكون للجنة جميع سلطات التحقيق الواردة في قانون لجان التحقيق 1954م، كما يحق لها الاستعانة بمن تراه مناسبا بما في ذلك الاستعانة بدعم إفريقي واستلام الشكاوى من الضحايا وأولياء الدم والممثلين القانونيين.
وأشار القرار إلى أن اللجنة تكمل أعمالها خلال 3 أشهر ويحق لها التمديد لمدة مماثلة إذا اقتضت الضرورة ذلك، وأن تعمل اللجنة باستقلال تام عن أي جهة حكومية أو عدلية أو قانونية.
لجنة غير مستقلة
الخبير القانوني كمال الجزولي أكد في حديثه لـ(السوداني) أن هذه اللجنة بطبيعة تكوينها ليست مستقلة، مشيرا إلى أنها مكونة بموجب قانون لجان التحقيق لسنة 1954م، ولا تفي بالغرض المطلوب من لجنة التحقيق المستقلة التي تعمل بموجب قانون النيابة العامة.
وأوضح الجزولي الفروقات أن الأولى لا تملك أي صلاحيات تؤدي إلى فتح بلاغات وتوجيه اتهامات وغيرها من الإجراءات الجنائية عكس اللجنة الثانية. وأضاف: لا أستطيع فهم السبب الذي جعل رئيس الوزراء يكون هذه اللجنة المقيدة بدلا من تكوين لجنة تملك صلاحيات جنائية أوسع، وأضاف: أمامنا نموذج لجنة التحقيق التي كُونت عام 2004م برئاسة مولانا دفع الله الحاج يوسف للتحقيق في جرائم دارفور ولكن تكوينها بموجب قانون لجان التحقيق لعام 1954م جعلها عاجزة عن فعل أي شيء تجاه تلك الجرائم غير توصية لم تعمل بها حكومة النظام البائد؛ مؤكدا أن هذا ما سيكون عليه مصير اللجنة الحالية، وقال: “للأسف هذا يعني ضياع دم الشهداء وحقوقهم”، وأضاف: “الأفضل تكوين لجنة من وكلاء النيابة تحت إشراف النائب العام وتحت قانون النيابة العامة بما يمكنها من تحريك الإجراءات الجنائية كافة وتوجيه الاتهامات، إذا اقتنعت بأن هناك جرائم قد ارتكبت”.

معايير دولية
أول لجنة تحقيق في فض الاعتصام كونها النائب العام المكلف الوليد سيد وتتكون من رؤساء النيابات ووكلاء أعلى النيابات وممثلين عن الشرطة والقضاء العسكري، إلا أن نتائج التحقيق وجدت رفضا واسعا واعتبرها البعض مستفزة فخرجت التظاهرات في الخرطوم والولايات تُطالب بالقصاص للشهداء وبقضاء نزيه، كمال أن قوى الحرية والتغيير قالت إنها لن تعترف بما توصلت إليه اللجنة، وقال إن التحقيق في الأمر من مهام الحكومة الانتقالية.

إعلان النتائج للشعب
الناطق الرسمي باسم تنسيقية قوى الحرية والتغيير وجدي صالح، أكد في حديثه لـ(السوداني) أن اللجنة التي كونها رئيس مجلس الوزراء للتحقيق في مجزرة القيادة لا علاقة لها باللجان التي تم تكوينها سابقا، وأضاف: هذه اللجنة التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، مشيرا إلى أن مهمتها التحقيق في مجزرة فض الاعتصام والجرائم التي ارتكبت بحق الثوار والمفقودين والوصول إلى نتائج حولها وجواز الاستعانة بأي دعم إفريقي على أن تفرق من عملها خلال 3 أشهر ويجوز أن تمدد لفترة أخرى.
صالح قال عندما الفراغ من عملها ستعلن النتائج للشعب السوداني ثم بعد ذلك ستقوم بتقديم تقرير للنائب العام لاتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة المتورطين، مشيرا إلى أن اللجنة ستراعي في عملها المعايير الدولية للجان التحقيق المستقلة، موضحا أن نتائج اللجنة ستنشر للجميع، قاطعها بأن اللجنة مستقلة لا تتبع لأي جهة عدلية أو حكومية ولا مجلس سيادة وتتمتع باستقلال تام، وقال إن عملها كبير وقد تحتاج فترة لأكثر من 3 أشهر لذلك جاء قرار التمديد، وأضاف: بعد الـ 3 شهور إذا رأت طالبت اللجنة بزيادة الفترة فإن الأمر يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء لذلك تم منح اللجنة الحق في التمديد.
وذهب الخبير القانوني نبيل أديب في حديثه لـ(السوداني) إلى أن الوثيقة الدستورية ألزمت رئيس الوزراء بتكوين لجنة مستقلة في أحداث العنف التي تمت بما فيها أحداث فض الاعتصام، وقال إن مصير اللجان السابقة كالتي كونها النائب العام متصل بأي جريمة في فض الاعتصام، أما اللجنة الحالية فيها جانب متعلق بتقصي الحقائق وترفع تقريرها لرئيس الوزراء وبها مهام وتوصيات، ولم يستبعد حدوث خلافات داخل اللجنة، وأضاف: عادة يُستحسن البُعد عن القضاء في تكوين مثل هذه اللجان، لأن القاضي هو الذي يحاكم الجرائم التي توصلت إليها اللجنة.

اترك رد