حاطب ليل … عبداللطيف البوني

ملك التصفير

(1)
عندما سمعت أنّ جائزة نوبل للسلام لهذا العام 2019 فاز بها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قُلت في نفسي (يستاهل), كيف لا وقد وصل آبي أحمد إلى الحكم راجلاً دُون أيّة دَبّابَةٍ، ولا على أكتاف الجماهير بثورةٍ شعبيةٍ، ولا عبر انتخابات صوريةٍ، إنّما خرج من ذات المُؤسّسة التي كانت حاكمة، إذ سَبقه منها ملس زيناوي الذي أرسى قواعد بناء إثيوبيا الحديثة وانتهى حُكمه برحيله الأبدي، ثُمّ أعقبه ديسالين الذي أمضى فترته وذهب إلى مَنزله مُستقيلاً عِندَما شَعَرَ أنّ الكرسي قَد اهتز تحته، فلم يتعكلت ولم يفرد عضلات السُّلطة للحفاظ على الكرسي!! وجاء آبي أحمد يمشى الهوينا وبكلِّ هُدُوءٍ جلس على الكرسي ولكنه فاجأ الجميع بنهج حكمٍ مُختلفٍ!!
(2)
أول خطوة اتّخذها آبي أحمد بعد جلوسه على كُرسي الحكم، قَامَ بإطلاق سَراح كُلّ المُعتقلين السِّياسيين رافعاً شعار (زيرو مُعتقلات)، ففتح أبواب حُرية التّعبير والتّنظيم (أربعة ضِلف)!! أما فيما يتعلّق بالجبهة الخارجية رفع شعار (زيرو نزاعات)، فأعلن السلام مع إريتريا ومن جانب واحدٍ، وإنه على استعدادٍ لتنفيذ اتفاقية الجزائر بإخلاء الأرض المُتنازع عليها، ثم طار إلى أسمرا وقَبّلَ رأس أفورقي، فأنهى حرباً ضروساً أعاقت البلدين، وبعد ذلك تَوَجّه إلى بقية دول الجوار واحدةً تلو الأُخرى وصالحها، فانفتحت الموانئ تجاه إثيوبيا عصب, جيبوتي، ثم بورتسودان, ولإسكات مصر والسودان بدرجةٍ أقل، تناسى سد النهضة مُؤقّتاً، لا بل سمح بفتح النيران عليه, بعد إسكات الجبهة الداخلية ودول الجوار، اِنكب العالم على إثيوبيا فانهمرت المُساعدات التنموية إلى أن ضاقت مواعين البلاد بها.
(3)
قَدِمَ آبي أحمد إلى السلطة مِن مَجموعةٍ إثنية تُعتبر مُهمّشة رغم ضخامة عددها وهي الأرومو، حيث كانت السيطرة للتقراي ومن قبلهم الأمهرا، ولكن لَم يركب حُصان الإثنية، ولم يُعلن صِراعاً بين الهَامش والمَركز ولا حتّى صِراعاً طَبقياً، إنّما رفع شعار التنمية المُتوازنة فأصحبت حُقُوق الإثنيات المُهَمّشَة ترجع بالتّدريج، فأحق الحق دُون شعارات ومُزايدات وقُومة نَفَس، واستطاع وبكُلِّ هُدُوءٍ هزيمة كل المُخطّطات التي استهدفت برنامجه ووصلت مُحاولة اغتياله.
(4)
يتزامن مع نوبل آبي أحمد توقُّف مُفاوضات سد النهضة، حيث اتّهمت مصر، إثيوبيا بالتّعنُّت، بينما يَقف السُّودان بَين البلدين، إذ أنّ للسد فوائد مَلمُوسة له ولكنه يُشاطر مصر فِي بَعض مَخاوفها، فكل الذي نتمنّاه لا بَل نَتوقّعه أن يُطبِّق آبي أحمد نهجه في تصفير المشاكل على سد النهضة، فمن حَق إثيوبيا أن تُعظِّم فوائدها إلى أقصى مَدَىً من هذا النهر، فالسد أصبح حقيقةً، ولكن من حق مصر أن تَخاف على وُجُودها، فمياه النيل هي سر حياتها، وفي إمكان إثيوبيا تبديد مخاوفها ومخاوف السودان بدرجةٍ أقل وذلك بمُوافقتهما على مُدّة ملء السد وعلى طريقة تشغيله.
(5)
إنّ تجربة آبي أحمد ومن قبله بول كيجامي في رواندا ومن قبلهما جيري رولنقز في غانا، تثبت أن حاكماً فرداً ذو كاريزما ليبرالي ذو وعي وعزيمة في إمكانه أن يجمع شعبه حوله لانتشال بلاده من وهدتها والسير بها نحو النماء والتقدُّم والرقي.. فيارب يكون الدور علينا في السودان.. فقولوا يا رب (شخصياً لديّ حُلُم).!

اترك رد