الصراعات الإثنية… عندما تتحول القبيلة إلى آلة للقتل

الخرطوم: وجدان طلحة

فيما كان السودان يحتفل بمرور عام على ثورته الظافرة التي رفع شعارها الحرية والسلام والعدالة، وينتظر ساعات لاستقبال العيد الـ 64 لاستقلاله المجيد، حدثه الصدمة بأن الجنينة تنزف دما بسبب صراع بين المسالين وقبائل عربية تضاربت الانباء حول اسبابه البعض قال سببه كباية شاي، وآخرون قالوا شجار بين اثنين في نادي مشاهدة بسوق (روقو روقو) ادى إلى مقتل واصابة نحو (70) مواطنا .

ولاية غرب دارفور ظلت آمنة ولم تشهد صراعا قبليا ولم يكن هناك فرق بين المواطنين بالقرى والمعسكرات، يعيشون دون تمييز، لذلك سيطرت الدهشة على كثيرين بعد تلك الاحداث، فهل تطور الصراع للغبن القبلي والاستقطاب السياسي؟ وهل تباطأت الاجهزة الامنية في حسم الخلاف إلى أن تطور إلى نزاع قبلي؟ وهل وجود سلاح لدى تلك القبائل ساهم في تطور المشكلة ؟

أسباب الكارثة
الصراعات القبلية اسبابها متعددة لكنها في النهاية تجد قابلية للتطور وتتصدى القبيلة لها، البعض يرى ضرورة الاستعانة بالادارة الاهلية لحل هذه المشاكل، معتبرين أن الحلول الامنية والسياسية ليست كافية، منوهين إلى أن بعض الاحزاب السياسية او المجموعات تسعى إلى تجيير الصراعات القبيلة لصالحها .
النظام السابق مايزال في المشهد السياسي، ويتم اتهامه بالوقوف خلف هذه الاحداث، لانه يريد أن يثبت فشل الحكومة الانتقالية في حسم الصراعات القبلية بالبلاد، لكن اعضاءه عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعطوا انفسهم صك برءاة من هذه التهمة، فيما يؤكد محللون سياسيون أن نظام الرئيس المخلوع هو المستفيد الاول من هذه الاحداث، مشيرين إلى أن ولاية غرب دارفور كانت طيلة السنوات السابقة آمنة، وأن المساليت والقبائل العربية بينهم تجانس.
أمين امانة حكومة ولاية غرب دارفور مبارك جمعة اكد في حديثه لـ(السوداني) أن الاوضاع الآن هادئة، ولا يزال النائب الاول لمجلس السيادة محمد حمدان دقلو ورئيس مجلس الوزراء موجودين ومتواصلين مع الطرفين لاخماد نار الفتنة.
وأضاف: انتشار السلاح من اسباب الكارثة توجد قوة كافية الآن وستعمل على جمع السلاح لانه يمثل مهددا امنيا، في الاسبوع الماضي قامت قوة مشتركة بالطواف على المحليات لازالة المظاهر السالبة هناك حفاظا على امن واستقرار الولاية، منوها إلى أن المساليت والقبائل العربية بالولاية بينها ترابط ونسيج اجتماعي ولم يكن متوقعا حدوث هذه الصراعات التي خلفت عددا من القتلى والجرحى، وقال لا نستطيع اتهام طرف بأنه متورط في هذه الاحداث وان لجنة التحقيق ستوضح الامر للرأي العام .

اوضاع النازحين
الناشط محمد علم الدين قال في حديثه لـ(السوداني): إن انتشار قوات الدعم السريع في مدينة الجنينة ساهم في تحسن الوضع من ناحية امنية، مشيرا إلى نحو عن 100 عربة تجوب شوارع المدينة، وان الوضع الانساني غير مطمئن وان الارقام الاولية للنزوح بلغت (55) الف مواطن ومنتشرين في اكثر من 7 مراكز ايواء، لافتا إلى أن مجتمع الجنينة ولجان المقاومة استطاعوا خلال الايام الماضية توفير الطعام من منازلهم.
وأضاف: توجد مساهمات بسيطة من بعض المنظمات الوطنية، لكن نحتاج إلى المنظمات الكبيرة للتدخل بشكل عاجل، مشيرًا إلى أن مستشفى الجنينة فتح ابوابه نهار أمس لاستقبال المتأثرين جراء الأحداث الاخيرة، حيثُ نقل (53) مصابا للخرطوم، لافتًا إلى أن احصائيات الاصابات الاولية بلغت (123) حالة، فيما بلغ عدد الوفيات (38) حالة.
وتابع: وفد مجلس السيادة ومجلس الوزراء اجتمع مع الادارات الاهلية من الطرفين وامن على أن الاحداث هي مشاجرة افراد ولا توجد مشكلة قبلية ويجب تقديم الجناة للعدالة، فيما وعدت الادارات الاهلية بأنها ستتعاون مع لجنة التحقيق .
وقال: النازحون موجودون في مركز الزهراء، مدرسة صلاح الدين الايوبي، مدرسة الامام الكاظم، مدرسة حي الثورة بنات، وجزء من الوزارات الحكومية، قاطعا بأن الوضع الانساني للنازحين كارثي، ويعانون من الاكتظاظ، مشيرا إلى أن عدد الكوادر الصحية قليل لا يتناسب مع اعداد النازحين الذين يحتاجون للخدمة، وقال إن الاستجابة من المنظمات والحكومة للوضع الانساني ضعيفة، لافتًا إلى حاجتهم للغذاء والمياه الصالحة للشرب، والدواء، وتغذية الاطفال الرضع والنساء الحوامل، فضلا عن حاجتهم لمشمعات وخيم وبطاطين، منوها إلى ضرورة توفر خدمات اصحاح البيئة، وتخوف من حدوث كارثة بيئية لان المراحيض لا تتناسب مع عدد النازحين .

حوادث مشابهة
نوفمبر الماضي وقعت صراعات بين البني عامر والامرأر من جهة والبني عامر والنوبة من جهة اخرى خلفت عددا من القتلى والجرحي، واصدرت حكومة الولاية قرارا بحظر التجوال لعدة ايام، وتم ارسال قوات من الدعم السريع لحسم الخلاف والمحافظة على الامن، وغادر وفد من الخرطوم ضم ممثلين لمجلسي السيادة والوزراء والحرية والتغيير، ووصل إلى بورتسودان وزراء الداخلية والبنية التحتية والإعلام وعضو مجلس السيادة الانتقالي حسن شيخ إدريس وممثلون لقوى الحرية والتغيير لاحتواء الموقف، كما زار المدينة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك .
وقد اتفقت أطراف النزاع بمدينة بورتسودان (الهدندوة والبني عامر)، على نزع فتيل الأزمة ووقعت اتفاق (القلد) بأمانة حكومة ولاية البحر الأحمر، بحضور أعضاء من المجلس السيادي وعدد من الوزراء وأعضاء حكومة ولاية البحر الأحمر، بجانب القيادات الأهلية والكيانات الشبابية، ونص اتفاق القلد على وقف القتال القبلي .

قوة ظلامية
المحلل السياسي ابراهيم كباشي قال في حديثة لـ(السوداني): إن ثورة ديسمبر المجيدة لم تكتمل، حدث تغيير لكن في المستوى الفوقي أما على مستوى الادارات الوسطى فلم يحدث تغيير، مؤكدًا أن الجهاز التنفيذي لم يحدث فيه تغيير، مستدركا: الثورة وما احدثته من تغيير نفت الاسباب الرئيسية للنزاع من قبل القوة الحاملة للسلاح، وتساءل هل الصراعات القبيلة بغض النظر عن اسبابها ما تزال موجودة؟، وقال يوجد مستفيدون من حالة السيولة التي تعيشها الدولة السودانية الآن .
كباشي رجح وجود مجموعات كانت مستفيدة من النظام البائد ووظفت اسلحتها لإحداث صراعات قبلية، مشيرا إلى أن تلك المجموعات موجودة الآن داخل الادارات الاهلية لذلك ستظهر مشاكل قبلية في مناطق اخرى.
وأضاف: لا بد من حسم ملف السلام وتشكيل حكومة الولايات لأن الفراغ الامني يجعل القوة الظلامية تتمدد وتؤدي إلى احباط القوة الثورية ويساعد في انشقاق الحرية التغيير، مؤكدا أن من مصلحة النظام السابق اشعال الصراع القبلي ليستمر لتأخير ملف السلام الذي اصبح (سوقا) في جوبا .
ونوه إلى ضرورة جمع السلاح من المواطنين عن طريق التوعية والطريق القانوني بفرض هيبة الدولة بعاملين وهو توعوي وعامل قانوني وفرض هيبة الدولة، لافتًا إلى أن المؤسسات العسكرية والامنية تقف احيانا موقف المتفرج وبالتالي البديل يكون المؤسسة القبيلة في حال نشوب الصراع .

اترك رد