فض الاعتصام.. كيف حدث؟

الخرطوم: السوداني

سيناريو لم يكن في الحسبان ذاك الذي حدث فجر التاسع والعشرين من رمضان، ففي الوقت الذي تاهب الجميع لأن تكون معيدةالعيد عيدين والفرحة فرحتين على خلفية تسريبات بقرب التوقيع على اتفاق نهائي بين العسكريين والمدنيين في الخرطوم على انتقال سلسل وتقاسم معقول للسلطة حتي جاءت فاجعة فض الاعتصام.. فما هي اسباب فض الاعتصام؟ وكيف تم؟

أجواء ما قبل الفض
في الوقت الذي انشغل فيه الشارع السوداني بمتابعة تطورات الوضع في منطقة كولومبيا التي أعتبرها المجلس العسكري مهددا امنيا، كانت قوى اعلان الحرية والتغيير تعكف على وضع اللمسات النهائية في صياغة اتفاقها مع المجلس العسكري، وحينها كشفت مصادر لـ(السوداني) عن  تشكيل لجنة قانونية لصياغة اتفاق (ق ح ت) والعسكري، متوقعة عقد اجتماع خلال 48 ساعة بين الطرفين، وقال المصدر القيادي بالتغيير لـ(السوداني) ننتظر أن يدعونا المجلس العسكري للاجتماع لبحث الاتفاق النهائي حول المجلس السيادي بعد أن اخطرنا بمقترحه في أن يكون المجلس مناصفة بين الطرفين وان تكون الرئاسة دورية  يبدأها العسكريون لعام ونصف يعقبهم المدنيون لبقية الفترة الانتقالية، فضلا عن أن الية اتخاذ القرار في المجلس باغلبية الثلثين. منوها الى أن المفاوضات توقفت بعد اصرار العسكريين على اغلبية عسكرية في المجلس ورئاسة عسكرية له، بينما كان موقف قوى الحرية والتغيير الاغلبية البسيطة 6 في مقابل 4 ورئاسة دورية وهو ما رفضه العسكريون انذاك.
وأكد المصدر القيادي وقتها انخراط لجنة قانونية من قوى اعلان الحرية والتغيير  لصياغة كل بنود الاتفاق مع المجلس العسكري التي تمت في الفترة الماضية وما سيتم التوصل اليه، لقطع الطريق على اي تفسيرات غير ملزمة لقوى اعلان الحرية والتغيير. منوها الى أن التكتم حول المقترح مقصود تحوطا للرافضين داخل المجلس العسكري لأي تقارب مع قوى اعلان الحرية والتغيير وتحسبا لأي رد فعل من المجموعات المحسوبة على النظام البائد.

سيناريو الفض
المحاولة الاولى لفض منطقة كولومبيا اصطدمت بفشل ذريع ساهم في حشد القوات على امتداد شارع النيل استعدادا لمحاولات اخرى، بيد ان مصدر عدلي كشف لـ(السوداني) عن اتصالات اجرتها النيابة العامة بالمجلس العسكري ومطالبته بعدم استخدام القوات في فض المنطقة ، وان الاجراء السليم يتم وفق القانون عبر قوات شرطية بحضور وكلاء النيابة، وهو ما أبدى المجلس العسكري موافقته عليه مبدئيا، وطبقا للمصدر فإن الترتبات اكتملت لذلك في فجر يوم 3 يونيو، وانه عند حضور قوات الشرطة وممثلي النيابة في محيط منطقة كولومبيا على شارع النيل، فوجئوا بسماع اصوات الرصاص داخل منطقة

الاعتصام.. فماذا حدث؟
ونقلت تقارير اعلامية عن شاهد عيان قوله أنه في حوالي الساعة الرابعة والنصف فجر 3 يونيو الموافق 29 رمضان، بينما كان جالسا في تقاطع شارع البلدية مع القيادة العامة، دخلت عربة (هايس مظللة بالكامل) الى محيط القيادة من الناحية الجنوبية بشارع القائد العام، وتحركت حتى نهاية القيادة من الناحية الشرقية وعادت بذات الشارع، واضاف: من الواضح انها كانت عربة رصد تابعة لقوة نظامية. منوها الى أنه في تمام الرابعة و ٥٥ دقيقة دخلت نحو ١٠٠ عربة تابعة للدعم السريع محملة باسلحة ثقيلة وعلى متنها مئات الجنود يحملون بجانب اسلحتهم (عصي وسيطان) وارتكزت امام سور القيادة، من امام قيادة الاركان البرية غربا وحتى نهاية سور القيادة من الناحية الشرقية، مشيرا الى أن هذه العربات التي طوقت القيادة العامة كان الهدف منها منع دخول المعتصمين الى داخل القيادة بعد بدء الهجوم عليهم، وصد اي هجوم محتمل من افراد الجيش. كاشفا عن أنه عقب وصول العربة الاخيرة من الدعم السريع، وصلت نحو ١٠٠ سيارة تويوتا (بوكس)دون لوحات الى القيادة بشارع القائد العام على متنها جنود يرتدون زي الشرطة ويحملون عصي، هذه القوة تمركزت بالقرب من تاتشرات الدعم السريع من بداية شارع القائد العام غربا وحتى نهاية القيادة من الناحية الشرقية، مؤكدا أن هذه القوات برغم ارتدائها زي الشرطة، إلا أنه لاعلاقة لها بالشرطة، واضاف: في المقابل كانت تتمركز قوات تابعة للدعم السريع بشارع النيل وبدأوا الهجوم على المعتصمين بالعصي والرصاص، وبعد دقائق بدأت القوات باطلاق كميات كبيرة من القنابل الصوتية والرصاص الحي في ميدان الاعتصام.
شاهد العيان اورد أنه من الناحية الشرقية وصلت قوات ترتدي زي الشرطة وبدأت في اطلاق الغاز المسيل للدموع على المعتصمين وتفريقهم الى نواحي منطقة بري، كما بدأت هذه القوات في تمزيق الخيام وازالة المتاريس الشرقية، بينما اطلق جنود كانوا يتمركزون داخل (مستشفى الرئيس المخلوع) الرصاص في الهواء بجانب كميات كبيرة من القنابل.
ورصد الشاهد أنه بمجرد بدء الهجوم تم اغلاق جنود في الفرقة السابعة مشاة البوابة الرئيسية، وعندما لجأ اليها المعتصمين أطلقوا لهم عددا من الكلاب، في اشارة الى أنهم غير مرحب بهم، واضاف: في بوابة الاركان الجوية كان يجلس نحو ٥ من الجيش بينهم ٣ يرتدون أزياء مدنية، وعندما وصلت قوات الدعم السريع، اخرج احدهم هاتفه الجوال وبدأ في تصوير توافد القوات وهتافات المعتصمين (ثوار احرار حنكمل المشوار). موضحا أنه على غير العادة، اختفى جنود الجيش من امام البوابات الرئيسية للقيادة ولم يتحرك أياً منهم لصد القوات التي هاجمت المعتصمين قاطعا بأن القوات التي هاجمت المعتصمين، طوقت ساحة الاعتصام من كافة الاتجاهات، مع فتح مسارات صغيرة لخروج المعتصمين من ساحة الاعتصام خصوصا تجاه منطقة بري.

ردود افعال
أول رد فعل جاء من تجمع المهنيين السودانيين الضلع الابرز في قوى اعلان الحرية والتغيير، طالب جماهير الشعب السوداني بالدخول في مرحلة العصيان المدني الشامل بعد ما وصفه بالمذبحة في محيط القيادة العامة التي تعرض لها المعتصمون بعد تاكيدات مستمرة من المجلس العسكري بعدم فض الاعتصام بالقوة، واخرها كانت من المتحدث باسم المجلس لتلفزيون السودان في الساعات الاولى من صباح 29 رمضان وقوله: لن نفض الاعتصام طالما التزم بالسلمية، وهو ما كذبته صور وفيديوهات تم بثها للحظات فض الاعتصام وما صاحبها من انتهاكات امتدت الى الشوارع والاحياء والمناطق القريبة من القيادة العامة، طبقا لرصد(السوداني).
حزب الامة القومي كان اسرع الاحزاب السياسية في التفاعل مع الاحداث فأعلن نائب رئيس الامة القومي د.ابراهيم الامين في تصريحات صحفية حينها أن دماء الشهداء غالية والمساومة بها جريمة لا تغتفر، مؤكدا أن الاسلوب العنيف وغير الإنساني الذي تم به فض الاعتصام وضع كل الشعب وفي المقدمة قوى الحرية والتغيير أمام خيار واحد هو التصعيد (العصيان المدني)، قاطعا بأن دماء الشهداء غالية والمساومة بها جريمة لا تغتفر. مشيرا الى ضرورة ذهاب المجلس كما ذهب البشير وابنعوف، مبررا ذلك بأن المجلس العسكري لا يريد حكومة تعمل لصالح الشعب. واصفا تصريحات المتحدث باسم المجلس بـ غير الصحيحة، قاطعا بأن المجلس تحرك لفض الاعتصام بهدف قطع الطريق امام أي اتفاق، واضاف: كما ان هناك هناك جهات خارجية تعمل ضد مصلحة الشعب السوداني.
في السياق وصف بيان للامانة العامة لحزب الامة القومي فضُّ الإعتصام بالغدرٌ، وجريمةٌ متهورة في عنق المجلس العسكري، مؤكدا أن المجلس العسكري بهذا العمل لم يعُد منحازاً إلى الثورة السودانية الظافرة بأي حال، ولقد إختار بوضوح أن يقف إلى الطرف النقيض لإختيارات الأمة السودانية، وهو الثورة المضادة..
بينما عملت اجهزة قوى اعلان الحرية والتغيير على كشف التطورات أولا باول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا عبر لجنة اطباء السودان المركزية التي عملت على حصر الشهداء والمصابين، متوعدة بمحاسبة المجلس العسكري باعتباره المسؤول عن المذبحة التي جرت.

ردود فعل دولية
خارجيا تواترت ردود الافعال الدولية، فعلى المستوى الاقليمي، اعلنت الخارجية المصرية أنها تتابع ببالغ الاهتمام تطورات الأوضاع على الساحة السودانية والأحداث الأخيرة وتداعياتها، وتعرب مصر عن مواساتها لأسر الشهداء وتتمنى الشفاء العاجل للجرحى. كما تؤكد مصر على أهمية التزام كافة الأطراف السودانية بالهدوء وضبط النفس والعودة إلى مائدة المفاوضات والحوار بهدف تحقيق تطلعات الشعب السوداني.
وتؤكد مصر دعمها الكامل للسودان الشقيق في هذا الظرف الدقيق من تاريخه ومساندتها الكاملة للجهود الرامية لتحقيق مستقبل أفضل لأبناء الشعب السوداني يقوم على الاستقرار والتنمية ويحقق الرخاء والرفاهية.
خليجيا اصدرت الامارات والسعودية بيانيين ممهورين بتوقيع وزارتا خارجيتهما، اكدتا من خلالهما حرصهما على امن واستقرار السودان، وان كلتاهما تدعمان خيارت الشارع السوداني، فيما وصف وزير الدولة بالخارجية الاماراتية أنور قرقاش في تصريحات، ما تم في محيط القيادة العامة بالمذبحة.
على المستوى الدولي سارع الاتحاد الأوروبي الى حث المجلس العسكري على الكف عن العنف، فيما دعت كلا من بريطانيا والمانيا الى عقد جلسة لمجلس الامن حول الاوضاع في السودان، انتهت بالتنديد في لهجة مخففة التخفيف لارضاء الصين وروسيا.
فيما توعدت الخارجية البريطانية المسؤولين عما حدث في محيط القيادة العامة من عنف وانتهاكات بالمحاسبة.
واشنطون اعلنت من جانبها موقفا وصفه الكثيرون بالايجابي على خلفية مطالبتها بسرعة تسليم السلطة الى مدنيين، واصفة على لسان وزير خارجيتها ما حدث بالمذبحة.
فيما أعتبرت الخارجية الروسية اي تدخل في الشأن السودان سيزيد الامور تعقيدا، بينما طالبت الخارجية الفرنسية بضرورة التزام المجلس العسكري بوقف العنف تجاه المدنيين.
أقوى ردود الافعال جاءت من الاتحاد الافريقي الذي اعلن مجلس السلم والامن فيه تعليق عضوية السودان بمؤسساته باعتبار أن ما حدث في السودان انقلابا او تغييرا غير دستوري كما تقول لوائح الاتحاد، مطالبا تسليم السلطة الى المدنيين.

تبريرات العسكري
المجلس العسكري بعد تصاعد صوت الانتقادات وجه خطابا على لسان رئيسه للشارع السوداني، معربا عن اسفه للتطورات التي صاحبت فض الاعتصام، نافيا ان يكون مسؤولا عما حدث، منوها الى ان القوات اقتحمت الاعتصام لتطارد من وصفهم بالمتفلتين الذين فروا من منطقة كولومبيا، معلنا انهاء كل الاتفاقات مع قوى اعلان الحرية والتغيير قبل ان يعود في خطاب أخر ويعلن مد يده للتفاوض من اجل ما اسماه بالمصلحة الوطنية.

اترك رد