انقلاب على العسكري.. تفاصيل المحاولة

الخرطوم: عبد الباسط إدريس

تداولت وسائط إعلامية وقنوات فضائية تسريبات عن إحباط المجلس العسكري الانتقالي لمحاولة انقلابية استهدفت الإطاحة بقيادته والاستيلاء على السلطة بالبلاد، وذكرت وسائل الإعلام أن المجلس العسكري الذي أحبط المحاولة التي جرت قبل أربعة أيام، يجري تحقيقات مع 68 من الضباط، بينهم ضباط من خارج الخدمة ومدنيون متورطون في ذات الأمر.

أصل الحكاية
الانقلاب الذي تداولته وسائل الإعلام أمس، لم يكن الأول من نوعه، ففي شهر مايو الماضي جرت محاولة انقلابية كشف عنها رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي، مؤكداً أن المجلس العسكري أحبط المحاولة بنجاح. وحذر مبارك الفاضل وقتها من مغبة تأخر التوصل لاتفاق عاجل بين قوى الحرية والتغيير والقوى السياسية الأخرى مع المجلس العسكري حول نقل السلطة المدنية وتشكيل حكومة. الفاضل الموصوف بالمتابع الدقيق لتفاصيل المشهد السوداني، أكد أن النظام السابق مايزال موجوداً وإن لم يتم التوافق السياسي حول الحكومة المدنية الانتقالية سيُحدث انقلابا عسكريا آخر.
تفاصيل قليلة رشحت عن المحاولة الانقلابية الثانية التي جرت الأيام الماضية. ووفقاً لقنوات إخبارية فإن المجلس العسكري يجري تحقيقات مع ضابط بالخدمة برتبة اللواء بجانب عدد من الضباط الذين يحملون رتبة العقيد، ونقلت القنوات عن مصادر قولهم إن الانقلاب نُفِّذَ عبر عناصر تنتمي للنظام السابق بمشاركة عدد من الضباط الذين تمت إحالتهم للتقاعد بجانب مجموعة من المجاهدين، وذكرت القنوات أسماء عديدة أبرزها اللواء عبد الغني الماحي كجزء إن لم يكن مترئسا للمحاولة. فيما لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من المجلس العسكري.. لكن مصادر عسكرية كشفت للعديد من القنوات الإخبارية عن أنه لم تكن هناك محاولة انقلابية بل تخطيط لمحاولة انقلابية وتم إجهاضها قبل التنفيذ.
ما قبل الإعلان
مراقبون يرون أن المحاولة الانقلابية تستهدف قطع الطريق أمام التوصل لاتفاق حول تشكيل الحكومة المدنية ونقل البلاد لمحطة الاستقرار السياسي والاقتصادي خاصة عقب الأجواء الإيجابية خلال الساعات الماضية التي استبقت الإعلان عن إحباط المحاولة الانقلابية، لاسيما عقب ما رشح من أنباء عن تجاوز قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي إيقاف المفاوضات المباشرة، عقب فض الاعتصام من قبل القوات النظامية بالقوة مخلفاً عشرات القتلى والجرحى، حيث أعلنت قوى الحرية والتغيير أمس الأول تعليق العصيان المدني ورفع الإضراب السياسي في البلاد “حتى إشعار آخر”. وقالت في بيان: “كما وضح أنه من الممكن تعليق العصيان المدني والإضراب السياسي مؤقتا، لإعادة ترتيب هذه الأوضاع بحيث تستمر المقاومة بشكل أقوى وأكبر قررنا دعوة جماهير شعبنا لتعليق العصيان المدني ورفع الإضراب السياسي حتى إشعار آخر”، وذلك بنهاية أمس الثلاثاء، ليزاول الناس أعمالهم اعتبارا من يوم الأربعاء.
وأكد البيان الاستمرار في الاستعداد والتنظيم للجان الأحياء ولجان الإضراب في القطاعات المهنية والعمالية المختلفة. وبدا واضحاً أن الوساطة الإثيوبية التي يقودها رئيس الوزراء أبي أحمد حققت اختراقاً ملحوظاً وأفلحت في تخفيف حدة التوتر بين العسكري وقوى الحرية والتغيير، فأعلن المبعوث الإثيوبي السفير محمود درير أن الأطراف السودانية في قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي اتفقت على عدم التراجع عما تم الاتفاق عليه إبان المباحثات بين الطرفين، منوهاً إلى أنه فيما يختص بالمجلس السيادي سيتم التباحث بين الجانبين بنوايا حسنة وصادقة على ضوء المبادرة الإثيوبية، وكشف في مؤتمر صحفي بمقر السفارة بالخرطوم مساء أمس الأول عن إجراءات بناء ثقة بين الطرفين يبدأها المجلس العسكري بإطلاق سراح المعتقلين على أن ترفع قوى الحرية والتغيير العصيان المدني، مشيراً إلى اتفاق الأطراف على إيقاف التصعيد الذي يؤدي لتقهقر المبادرة، مؤكداً سعي بلاده على أن تتجنب الأطراف السودانية التصعيد والاتهامات المبتادلة. فيما أكدت مصادر مطلعة بقوى الحرية والتغيير عن الاتفاق على الخبير الاقتصادي د.عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء.
أصابع اتهام
بعض المراقبين نظروا للحديث عن محاولة انقلابية، بكونه محاولة إلهاء من قبل المجلس العسكري الانتقالي، للتباطؤ في نقل السلطة للمدنيين، أو لتعزيز فرضية ضرورة مشاركته بفاعلية أكبر في السلطة الانتقالية المدنية المقبلة من خلال التلويح بورقة الاختلال الأمني وأهمية مشاركة القوات النظامية في تأمين الانتقال وإنفاذ مطالب الثورة. فيما نحا آخرون لتأييد رواية الانقلاب الثاني على المجلس العسكري لجهة أن عناصر النظام السابق ما تزال تعمل بقوة لإجهاض الثورة في ظل عدم حل قوات الدفاع الشعبي التي تضم عناصر من المجاهدين الذين ينتمون للحركة الإسلامية.
ويبرر أصحاب هذه الرؤية صدقية إحباط محاولة انقلابية الأيام الماضية، بأنها ربما كانت رد فعل على إحالة عدد من الضباط في الشرطة وجهاز الأمن الوطني الذين يرى المراقبون أنهم ينتمون سياسياً للنظام السابق، بجانب آخرين جرى فصلهم من الخدمة العسكرية عقب محاولتهم الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في عام 2012م بقيادة العميد معاش محمد إبراهيم عبد الجليل.
لكن القيادي بالحركة الإسلامية د.أمير النعمان يذهب في حديثه لـ(السوداني) حول اتهام ضباط وعناصر من المجاهدين ينتمون للحركة الإسلامية بالمحاولة، بأن خيار الانقلاب غير موضوعي ولا أخلاقي ولا واقعي إلا أن كانت محاولة لصب الزيت على النار في ظل الوضع السياسي الماثل الذي يشتمل على تعقيدات محلية وإقليمية ودولية.
ويرى النعمان أن الحركة الإسلامية ليس من توجهاتها الانقلاب على السلطة أو فرض رؤيتها مرة أخرى بطريقة غير ديمقراطية أو غير محققه لإرادة الغالبية العظمى من السودانيين، ومن الواضح أن كل الجهات السياسية ذات الرشد وعلى رأسها الحركة الإسلامية ليس من مصلحتها سياسيا، وخاصة أن البلاد مقبلة على انتخابات عامة ستعطي كل ذي حق حقه وليس من مصلحتها القيام بأي فعل من هذا القبيل. ويضيف النعمان: “الحركة الإسلامية تدرك هذا الأمر جيدا”. واستدرك: “أما إن صحت أن هناك مغامرات من بعض الأفراد، فإن الأمر لا يعدو أن يكون تقديرات فردية وتفلتات، ولا يمكن أن تُنسب إلى منظومة متكاملة لها من الرؤى والاستراتيجيات ومن النظرة الموسوعية محليا وإقليميا ودوليا ما يعصمها من الخوض في مغامرات لا معنى لها”.
رؤية عسكرية
لكل انقلاب أسباب ومبررات وجهات سياسية تقف خلفه، هكذا هي قصة جميع الانقلابات العسكرية التي حدثت في البلاد ومكنت لحكم العسكر لمدة 52 عاماً منذ استقلال البلاد في عام 1956م، هذا بخلاف تلك الانقلابات التي تم كشفها وإحباطها قبل التمكن من الاستيلاء على السلطة. ويذهب اللواء (م) عبد الرحمن أرباب مرسال في حديثه لـ(السوداني) إلى أن الكشف عن المحاولات الانقلابية يتم عبر الاستخبارات العسكرية التي لديها أجهزة مختصة في مثل هذه المحاولات، مشيرا إلى أن أي تحركات انقلابية تحتاج لعدد كبير وهو ما يجعل منها نقطة ضعف يتم من خلالها كشفها. مؤكدا أن هناك عاملين وراء المحاولة الانقلابية على المجلس العسكري التي قال إنها لن تكون الأولى ولا الأخيرة. ويعتقد اللواء مرسال أن العامل الأول هو حالة الفراغ والاحتقان الماثل وأن العسكريين عادة عندما يكونون في الحكم يكون جزء منهم “مع” وجزء آخر “ضد” وأن الذين ليسوا مع المجلس يرون أنه لم يكن حاسماً مع المدنيين وأن فض الاعتصام تم بطريقة غير لائقة عبر استخدام قوة أكبر. أما العامل الثاني هو ما سمّاه مرسال “بالمنتمين للدولة العميقة” الذين يرون أنهم الأحق بالحكم ويجب ألا تزول دولتهم التي يسعون لاستعادتها. ويشير مرسال إلى أن من بين هؤلاء من يرى أن المجلس لم يكن حاسماً حيال استفزازات القوات المسلحة وتقليص دورها وأن المجلس بهذه الطريقة لا يمثل القوات المسلحة.
في كل الأحوال تظل المحاولة التي كشفت مصادر موثوقة لـ(السوداني) أنها جرت قبل يومين، تشير إلى أن المجلس العسكري تعمد الكشف عنها وتسريبها في الوقت الحالي تزامنا مع وصول المبعوث الأمريكي إلى الخرطوم للإيحاء بحجم مخاطر الثورة المضادة وأنه يقف لذلك بالمرصاد سواء للتصدي لمشاريع الانقلابات على الثورة أو لعودة الإسلاميين إلى سدة الحكم، مما يمنحه رصيدا لدى واشنطن وأصدقائها باعتبار أن المجلس العسكري حامي الثورة وصمام أمان مضاد من فيروسات الإسلام السياسي، فضلا عن أنه أحد الأعمدة التي يمكن الارتكاز عليها في الحفاظ على المنطقة مستقرة خصوصا في ظل ما يشهده جنوب السودان، واهتزازات إثيوبيا، والتركيز الإرهابي على مصر، وتطورات الحالة الليبية، والمشكلات التشادية وإفريقيا الوسطى، ما يجعل الخرطوم آخر محطات الاستقرار في الإقليم، مما يجعل المجلس العسكري يسوق نفسه بشكل أكثر مقبولية للمجتمع الدولي والإقليمي. ولعل ما يعزز ذلك الاهتمام الأمريكي المفاجئ بالسودان الأمر الذي دفع الخارجية الأمريكية إلى تسمية دونالد بوث مبعوثا خاصا مما يرفع من أسهم المجلس.

اترك رد