أقاصي الدنيا ||محمد محمد خير

مخاض التوازن الحرج

كسائر المحبين والعاشقين لهذا التراب بكيت مثلما بكى الدقير وبكى من قبله البرهان.. بكيت لأنني أحب هذه البلاد حبا بات من الميئوس شفائي منه:
إني أحببتك حُبَّاً
لو من فوقك كان أظلك
أو من تحتك كان أقلك
في لحظة بكائي الهتون كنت أنظر للشارع من الشرفة.. خضرة تمتد على امتداد ما ترى عيناك من رؤى وخواجيات يركضن بخفة على جنبات الشارع.. تخففن من الملابس التي تستر الجسد واستجبن لنداء الصيف وللصيف هنا مقتضيات أخرى تجرد كامل من الاحتشام وضجة أجساد تتحلق. للصيف هنا معادلته الكاوية، فكلما ازداد حرارة تضوعت الصبايا بفحيح الأنوثة.
وسط هذا اللهيب كنت أبكي.. لم أكن أبكي لأنني أندب (الله يكبرن الكبرني وسمحن) كنت أبكي.. لأنني أستشرف ضياءً ربما يعم بدن وطني الذي صار أشبه بجسد خالد بن الوليد الموجوع بمئات الطعنات.. وطن كلما تأهب للقيام كبا، وكلما تحرك توقف وكلما حاول أن يضحك بكى، وكلما رنا للعيان ازور.
بكيت لأن الاتفاق من شأنه تعبيد الطريق للخطوة الواسعة نحو ما يُعيد للأماني وهجها وللأمل إمكان التحقق.. اتفاق من شأنه الإمساك بالتدهور من خواصره وقذفه لخارج حدودنا.. اتفاق يفتح شبابيك واسعة للرؤيا والبصيرة والتجرد والهمة ويعيد تشكيل الحياة.
أخجل تماما حين أخرج من بيتي بكامل عرقي في الصباح لأن ماسورة الماء كفت عن الإرسال، والكهرباء تتوارى خلف السلوك والحفر تترصد عجلات العربة ورائحة البلاستيك المحروق تنبعث من مكبات النفايات التي أصبحت في قلب الأحياء. وألتفت فلا شيء غير الصفوف.. صفوف الرغيف والبنزين.. بكيت لأن هذا الاتفاق يمكن أن يضيف صفا جديدا نسميه صف الأمل .
بكيت لأنني الآن أزهو من كندا صاعدا درج هذا الاتفاق من أول عتباته نحو الرصانة، يحيطني أمل كبير بأنه الخطوة الأولى التي (تجرتق).. الطريق نحو المسافات الطويلة.
هذه مرحلة جديدة.. مرحلة الكفاءة والقدرة مرحلة الإضافة والبناء بغير من، والزهد بمعناه الصوفي، والحب الكبير لبلد يجب أن يكون كبيرا.

اترك رد