حمدوك.. حصاد رحلة بروكسل

تقرير: محمد عبد العزيز

“ثمة مقدمات تبعث على الكثير من التفاؤل لإنعاش هذا القطاع، والمواطن السوداني سيبدأ يلمس هذا التغيير الإيجابي في غضون أشهر”، هذا جانب مما قاله رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في مقابلة مع قناة “يورونيوز” على هامش محادثاته الأخيرة مع قادة الاتحاد الأوروبي ببروكسل التي تطرقت إلى المساعدات التي يمكن أن يقدمها الاتحاد الأوروبي للسودان للتعامل مع أزمته الاقتصادية الحالية.

فرص ومكاسب

حمدوك اعتبر أن لقاءاته في بروكسل “أتاحت الفرصة لتعريف الاتحاد الأوروبي بدءاً من المفوضية (الأوروبية) حول أولويات الحكومة الانتقالية والتي يأتي على رأسها إيقاف الحرب وبناء السلام المستدام”، وقال: “تحدثنا حول الأزمة الاقتصادية وما يمكن أن يقدمه الاتحاد الأوروبي في التعامل معنا ومساعدتنا للعبور بهذا الملف”.

حمدوك شدد أمام قيادات الاتحاد الأوروبي على أن الانتقال بالسودان إلى الحالة التي يطمح إليها الشعب، تقوم على عاملين اثنين؛ إطفاء نار الحروب المشتعلة في العديد من المناطق السودانية، وثانياً الشروع بإصلاحات تطال مختلف القطاعات وفي القلب منها القطاع الاقتصادي. ومن بين هذه الإصلاحات تحدث حمدوك عن قضية التضخم المالي وغلاء الأسعار التي ستتم معالجتها في غضون أشهر قليلة، وقال: “لدينا مشروع متكامل في إطار التعامل مع أصدقاء السودان الذي سوف تستضيف الخرطوم اجتماعَه الرابع في الشهر المقبل”، لافتاً إلى أن الاجتماع “سيناقش بشكل مفصّل مشروعات محددة، وهي أكثر من عشرين مشروعاً”.

وبشأن الميزانية العامّة للعام القادم، قال حمدوك: بدأنا العمل بشأن الميزانية العامة، التي تتخذ فيها قضايا الصحة والتعليم والبنية الأساسية والقضايا المرتبطة بالتنمية المستدامة، أولوية قصوى لجهة الصرف. منبهاً أن عمل إدارته بدأ بتصور كامل للإيرادات، وجزء كبير منها من الموارد الداخلية، لكن البلاد “في حوار مستمر مع الأشقاء في المنطقة العربية ومع الشركاء، والاتحاد الأوروبي مكون أساسي”، مستطرداً بالقول: “نطمح لمعالجة ديون السودان مع المؤسسات الدولية مما يسمح أيضاً بتوفير موارد لدعم الموازنة من كل تلك المصادر.

في الأثناء أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح، أنه تم الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي، على أن تجهز الحكومة قائمة بالمطلوبات والأولويات حتى يدخلوا في تصنيف المشاريع التي يمكن أن يسهموا في تنفيذها. ووصف فيصل الزيارة بعد استماعهم لتنوير من رئيس الوزراء بأنها :”كانت ناجحة وإيجابية، ومثلت محطة مهمة في عودة السودان للمجتمع الدولي.”

وأضاف فيصل أن مسؤولي الاتحاد الأوروبي عبروا عن حرصهم لبناء علاقة استراتيجية مع السودان ومتابعة الأوضاع فيه بشكل دقيق، وتعهدوا بمساعدة السودان في العودة إلى الساحة الدولية والتعامل مع مؤسسات التمويل الدولية.

اجتماعات ثنائية

وأوضح وزير الثقافة والإعلام أن الوزراء المرافقين لرئيس الوزراء، عقدوا اجتماعات ثنائية مع نظرائهم ومع بعض المنظمات، نتجت عنها مشروعات مشتركة سيتم الإعلان عنها خلال الفترة المقبلة.

وكيل التخطيط بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي مكي ميرغني قال إن زيارة الوفد السوداني لبروكسل كانت ناجحة وإيجابية على المستوى الاقتصادي والسياسي من خلال تعهدات المسؤولين في الاتحاد الأوروبي بدعم السودان، مضيفاً في حديثه لـ(السوداني) قبل عودته من بروكسل:” أن الاتحاد الأوروبي وعد بالدعم المادي للمساعدة في عملية الانتقال والإصلاح الاقتصادي في السودان وعلى رأسها تمويل مشروع التعداد السكاني الذي يكلف 150 مليون دولار”.
وأشار إلى أنهم عقدوا عدداً من المؤسسات الاقتصادية والمالية الأوروبية بهدف تعزيز التعاون بين الجانبين وتشجيع الاستثمارات الأوروبية في السودان.

شكل جديد

أي تقييم لزيارة خارجية أو دعم دولي يمكن النظر باستصحاب تحديات وأولويات الفترة الانتقالية له عبر مسارين الأول سياسي يرتبط بدعم عملية السلام، والثاني اقتصادي يرتبط بتجاوز التحديات الاقتصادية الماثلة. وكان وفد من الاتحاد الأوروبي أنهى مؤخراً زيارة للخرطوم وأعلن خلالها أن دول المجموعة الأوروبية ستقدم للسودان منحاً بقيمة 200 مليون يورو، وستقوم لاحقاً بتقديم مبلغ 141 مليون يورو، وكذلك مبلغ 100 مليون يورو، و25 مليون يورو كمساعدات إنسانية.

نائب الأمين العام للشؤون السياسية بجهاز العمل الخارجي الأوروبي كريستوف بيليارد قال في حديث لـ(السوداني) إن الاتحاد الأوروبي سيقوم بدعم السودان في مسارين الأول في مجال البرامج الاجتماعية والاقتصادية، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي سيقوم بإجراء محادثات مع الولايات المتحدة الأمريكية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب توطئة للدخول أما المسار الثاني الخاص بمعالجة ديون السودان الخارجية مضيفاً:”يجب أن تزال الديون عن السودان لجهة أنه يمر بظروف استثنائية تتطلب الوقوف إلى جانبه”.

وبحسب بنك السودان المركزي تقدر ديون نادي باريس -معظمها دول أوروبية- بنحو 15.7 مليار دولار نحو -31.5%- من إجمالي الدين الخارجي كثاني أعلى مدين.

بليارد أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي سيدعم جهود الحكومة الانتقالية لتحقيق السلام الشامل والعادل بالسودان وسيحث حركات الكفاح المسلح لإنجاح واستكمال مسيرة السلام بالسودان.

الصحفي والمحلل محمد الأسباط يرى في حديثه لـ(السوداني) أن زيارة حمدوك بمثابة حدث تاريخي باعتبار أن المفوض العام للاتحاد الأوروبي لم يلتق مسؤولاً سودانياً رفيعاً خلال العقود الماضية كما تمثل اختراقاً كبيراً في علاقات السودان الدولية لاعتبارات تتعلق بوزن الاتحاد الأوروبي من جهة والدول الأوروبية الـ(28) من جهة أخرى عبر نحو 15 لقاءً بقادة إدارات الاتحاد الأوروبي.

الأسباط يشير أيضاً إلى أن الفريق الوزاري للزيارة (المالية، والتجارة والصناعة، والعمل والرعاية الاجتماعية) انخرط في سلسلة من الاجتماعات مع مؤسسات نظيرة في أوروبا لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري وحصل على وعود يتطلع لتنزيلها في الفترة القادمة.

الأسباط يعدد مكاسب الزيارة ويقول إن الاتحاد الأوروبي وعد بوضع مسألة رفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب ضمن أجندته –والتي تشكل عقبة أمام إعفاء الديون والتعاون الاقتصادي- أما المكسب الثاني فيتعلق بتبني دعم العملية السلمية والعمل مع الخرطوم لتحقيق سلام مستدام ومساعدة ضحايا النزاعات عبر رفع مساهمتهم في مجال الدعم الإنساني فيما يتصل بالمكسب الثالث وهو وعد الاتحاد الأوروبي بدعم المشروعات الإسعافية للبنية التحتية والخدمات (تعليم وصحة والخ…).

المحلل السياسي محمد موسى حريكة يرى في حديثه لـ(السوداني) أن زيارة رئيس الوزراء نجحت في تقديم السودان بشكل جديد أمام الأوروبين بوصفه دولة مدنية ديمقراطية تتجاوز انطباعهم لثلاثة عقود عن نظام العنف والإرهاب وتهديد الأمن والسلم الدوليين فضلاً عن استعراض أولويات وتحديات الحكومة الانتقالية وتوقعاتها للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

حريكة قال إنه من المبكر جداً الحكم عليى نجاح أو إخفاق هذه الزيارة لافتاً إلى أن الاتحاد الأوروبي قدم مساعدات عاجلة بقيمة 55 مليون يورو قد تذهب إلى ضحايا مناطق الحروب الأهلية والتي لا خلاف أصلا داخل دول الاتحاد على ضرورة تلك المساعدات .ويضيف أيضاً:” يتبقى التعاون الاقتصادي الشامل خارج دائرة المساعدات الإنسانية وهذا بالطبع يرتبط بتغيرات جوهرية ترتبط بطبيعة الاقتصاد السوداني الشائه ومدى تشبيكه باقتصاد العالم الحر والذي يتيح للشركات والمؤسسات الاقتصادية العالمية الاندفاع نحو السوق السوداني، إلى جانب توقيع السودان علي الاتفاقيات العالمية ذات الصلة” .

حريكة يلفت أيضاً إلى أن الاأوربيين يريدون أن يروا انتقالاً حقيقياً لمدنية الدولة واختفاء المليشيات ومدنية القرار السياسي وقوة إرادته للعبور النهائي نحو آفاق ارحب ترتبط بالديمقراطية وترسيخ حقوق الإنسان .

وعلى كل فإن الوعود التي بذلها الاتحاد الأوروبي بتوفير الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة الانتقالية تهدف بشكل أساسي لدعم عملية التغيير في السودان ومحاصرتها حتى لا يحدث أي انتكاس يقود لنتائج لا يحمد عقباها سواء على مستوى تهديد الاستقرار في المنطقة وموجات الهجرة والإرهاب التي ستضرب المنطقة وتمتد تداعياتها لشمال البحر الأبيض المتوسط أو حتى على صعيد انهيار تغيير مثالي يتطلع العالم لاستدامته وتاثيره بشكل إيجابي على شعوب المنطقة.

اترك رد