Bank of Khartoum Visa Card

على حافة الخطر السودان وكورونا.. احترازات الوضع الذي لا يُحتمل

تقرير: محمد عبد العزيز

تحتاج الحكومات إلى توقع الوباء، لأن إجراءات إبطاء انتشاره، مثل حظر الزحام، تكون أكثر فعالية إذا كانت مبكرة، آخر الترتيبات التي اتخذتها السلطات السودانية تمثلت في فرض حظر التجوال في جميع مدن السودان من الثامنة مساءً وحتى السادسة من صباح اليوم التالي وذلك اعتبارًا من اليوم الثلاثاء 24 مارس، بجانب ايقاف حركات البصات السفرية بين الولايات بعد يومين، بعد أن اوصت وزارة الصحة، برفع درجة الاستعداد بالبلاد تجنبا للأسوأ حتى لا تحدث مفاجآت يمكن أن تربك خطط اللجنة، كما جددت اللجنة مطالبتها للمواطنين بالالتزام بالموجهات الصادرة من وزارة الصحة والخاصة بالتعامل مع الجائحة بما في ذلك الالتزام بتجنب التجمعات والتجمهر وإجراءات النظافة والتعقيم، فضلا عن عدم التساهل مع العمالة الأجنبية في المنازل ومواقع العمل.

هذا وقد حض رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على التعامل مع كورونا بالجدية اللازمة لأن الأوضاع الاقتصادية والصحية في السودان لا تحتمل، وأعلن عن إنشاء صندوق قومي لمواجهة كورونا ووضع كل إمكانيات البلاد تحت صرف وزارة الصحة، داعين المواطنين للتعامل بالجدية اللازمة لمواجهة الجائحة.

السودان.. خطة استجابة لوضع الخطر
قالت وزارة الصحة السودانية إنها اتخذت إجراءات في سبيل الحد من ظهور الوباء، من بينها إنشاء مراكز للعزل الطبي لعلاج مرضى الفايروس، بجانب تخصيصه المستشفيات العسكرية كمراكز للإيواء والعلاج.
وأشارت (الصحة) إلى أن الهدف الأساس للاستجابة الدولية لفايروس يرمي إلى إيقاف انتقاله من شخص إلى آخر داخل المجتمع ورعاية المصابين، وتعمل فرق متطوعة في البلاد على توعية المواطنين بمخاطر فايرس كورونا وسبل الوقاية منه؛ في مساهمة منها لتعزيز الجهود الحكومية بهذا الخصوص.
الا أن منظمة الصحة العالمية صنفت السودان بأنه (في وضع الخطر)، في مواجهة فايروس كورونا المستجد، بسبب قدرات البلاد الصحية الضعيفة، بالرغم أن هناك حالتين فقط تم تسجيلهما و17 تقع في خانة الاشتباه قيد العزل الصحي.
وقالت منظمة الصحة: “وضع السودان في منطقة الخطر، في مواجهة جائحة كورونا، نظرًا لخطورة الفايروس وقدرات البلاد على الاستجابة لأي تفشٍ واسع محتمل للمرض”، وأشارت المنظمة إلى أن صرف السودان على النظام الصحي ظل محدودًا لعقود طويلة، مما جعله يفتقر للكادر الطبي المُؤهل والمعدات الطبية والإمدادات الدوائية، إضافة لضعف البنيات التحتية، وأكدت المنظمة أن النظام الصحي السوداني الذي يعاني من ضعف هيكلي، لا يشمل كل مناطق البلاد، الأمر الذي سيحدث تأخيرا في الفترة بين التبليغ عن الوباء والاستجابة له.
خبيرة الأوبئة د. هبة حسين ترى أن تصنيف منظمة الصحة العالمية أتى لاعتبارات تتعلق بهشاشة نظام الرعاية الصحية في السودان في ظل جائحة كورونا ومحددوية الحالات التي تم تسجيلها، وتشير خبيرة الاوبئة إلى أن استجابة السلطات السودانية كانت جيدة بالنظر لإمكانياتها المحدودة بالمقارنة مع دول المنطقة حيث سارعت لوضع ترتيبات احترازية لمنع دخول المرض وإجراءات استباقية للحد من انتشاره، لافتة إلى أن وضع كورونا في السودان سيكون محل اهتمام عالمي بالنظر لتعامل دولة بإمكانيات محدودة مع جائحة عالمية لم تصمد معها أنظمة صحية عريقة.
لقد تعاملت السلطات السودانية بحذر مع ظهور كورونا، وإن كان تركيزها منصبا في البدء في إجلاء مواطنيها من مدينة ووهان حيث ظهر الفيروس، مع إجراءات الفحص الحراري عبر المطارات والمعابر، إلا أنه في الثاني عشر من مارس شعرت بقدوم الفيروس إلى أراضيها مع إعلان دول المنطقة عن حالات مكتشفة، فقررت تعليق الطيران مع 8 دول وإغلاق المعابر البرية مع مصر في إطار ترتيبات احترازية.
ووجه القرار الجهات المختصة بتوفير معسكرات وعنابر إيواء تحسبا لانتشار المرض كما دعا القرار المواطنين لتفادي التجمعات الكبيرة.
في اليوم التالي أعلنت وزارة الصحة السودانية وفاة مواطن بالفيروس ليتم إعلان حالة الطوارئ وتعليق الدراسة بجميع المراحل التعليمية لمدة شهر فيما تقرر تقصير أوقات الصلوات في دور العبادة مع دعوات لتجنب الزحام وتجهيز مراكز للعزل وإنشاء نقاط صحية على المعابر الحدودية.
السلطات الصحية في السودان بإعلان الطوارئ من الحالة الأولى التي وصلت من الخارج سعت لحشد كل الموارد لمقاومة الفيروس ومحاولة استباقه بخطوة أو اثنتين. ترتيبات السودان بالرغم من امكانياته بدت متقدمة فعلى سبيل المثال لم تعلن المغرب حالة الطوارئ إلا بعد إثبات الحالة الثالثة.
في المقابل كانت هناك حالة من التشكيك صاحبت إعلان الحالة وسط استقطاب سياسي واجتماعي في الاعتراف بها والالتزام بالتحوطات اللازمة، كان الأمر أشبه بما حدث في إيطاليا خاصة فيما يلي انقسام النخبة السياسية والطبية ليصل للمجتمع الذي لا يختلف كثيرا عن الإيطالي في حميمته وتوادده، مع الأخذ في الاعتبار أن عدد سكان السودان يساوي نصف عدد سكان إيطاليا مع اختلاف التركيبة الديموغرافية حيث تقل نسبة كبار السن مقارنة بإيطاليا.
أما على المستوى الإعلامي ومواقع السويشال ميديا فقد انقسم بين من يسعى للتهوين ونسف ادعاءات الحكومة وإجراءاتها ومهاجمة الحكومة ووزير الصحة بشكل شخصي والتشكيك في كفاءته، وبين من سعى للتهويل والبحث عن زيادة للحالات المكتشفة بحثا عن سبق صحفي.
أما فيما يلي النظام الاقتصادي السوداني، فهو يعاني من اختلالات هيكلية وتوقع صندوق النقد الدولي بالفعل ركودًا اقتصاديًا عامًا في عام 2020م. على سبيل المثال ، من المتوقع أن ينخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5 ٪ ، بالإضافة إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي المتدهورة الأخرى، وموازنة متعثرة بسبب تأجيل إجازة خطة وزير المالية في إعادة هيكلة الدعم لحين عقد مؤتمر اقتصادي نهاية مارس الجاري تم تأجيله لوقت لاحق بسبب كورونا.
مواجهة كبيرة مثل كورونا تستدعي تضافر كل الجهود الرسمية والشعبية لمواجهة هذه الجائحة وهو أمر حدث في دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة والصين.
في سياق آخر يبدو أن نظام الرعاية الصحية في السودان متهالك، صحيح أن الحكومة الانتقالية رفعت في الموازنة الجديدة نسبة الإنفاق على الصحة من 16.106 مليون جنيه أي ما يعادل 4% من الأنفاق العام إلى 51.390 مليون جنيه اي ما يعادل 7% من الإنفاق العام، وهو ما لا يؤهله لخوض أي مواجهة مع وبائيات ناهيك عن جائحة كورونا، وتتوفر للسودان نحو 2500 سرير بالعناية المركزية، و116 للعزل الصحي.
وزير الصحة السوداني أكرم علي التوم أعلن أنهم بحاجة بحاجة إلى 76 مليون دولار لمواجهة فايروس كورونا، من المنتظر أن تسهم في بناء النظام الصحي والاستعداد لأسوأ الفروض.
عضو غرفة الطوارئ المركزية بوزارة الصحة د.محمد نقد الله يشير إلى أن العالم كله في خطر والسودان ليس بمعزل، مضيفا:”نحن نسعى لبناء نظام صحي في وقت وجيز، والمشاركة المجتمعية هي الأساس في الوعي والإجراءات الوقائية والدعم هي الرهان الأساسي للنجاة أو الوقوع في فخ الجائحة”.
نقد الله يشير إلى أنهم ورثوا نظاما صحيا متهالكا في السودان لم يكن يوفر سريرا واحدا للعزل الصحي بفعل سياسات النظام السابق إلا انهم نجحوا حاليا في توفير 116 سرير. ويشير نقد الله إلى أن تكلفة السرير قد تتراوح بين 50-100 ألف دولار فيما تم تجهيز ثلاثة مراكز للحجر الصحي وتجري الترتيبات لتوفير مراكز اضافية، مشيرا إلى استجابة أكثر من 500 طبيب عمومي و امتياز و عدد مقدر من الاختصاصيين و الكوادر الصحية المختلفة لنداء وزارة الصحة، وسيتم توزيعهم في مستشفيات الولاية لتقديم الخدمة الصحية والتعامل التقني مع حالات الاشتباه في كورونا.

السودان وكورونا..الدعم الدولي
مع إعلان وزارة الصحة السودانية عن حالات كورونا بـ “شفافية” و”وضوح”، فإن الأمم المتحدة بمنظماتها هرعت لدعم السودان بـ “المال ” و “المعدات” لمواجهة كورونا ولتخفيف وطأته الاقتصادية.
وبحسب تقارير صحفية فإن “شفافية ” وزارة الصحة السودانية فتحت “مغاليق ” الدعم المالي والفني واللوجستي للسودان بعد سياسات الإنقاذ ” المتكتمة” التي ” فتكت “بالناس بحسب الكثيرين، نتيجة إخفاء المعلومات، فبدأت منظمات الأمم المتحدة بحشد موارد مالية كبيرة لمساعدة السودان في مواجهة فيروس كورونا المستجد بجانب تطوير خطط للتخفيف من وطأة كورونا على الاقتصاد السوداني.
وأعلن الفريق القطري للعمل الإنساني للأمم المتحدة أنه وضع “اللمسات الأخيرة” على خطة الاستجابة لوباء الكورونا لدعم الخطة القومية للحكومة السودانية.
وعبأت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” 370 ألف دولار للوقاية من العدوى ومكافحتها في نقاط الدخول إلى السودان وقدمت سيارات إسعاف، وحشدت اليونيسف مبلغا إضافيا بقيمة (200) ألف دولار خصص للاتصالات لمنع الانتشار والتفشي.
بينما خصص الصندوق الإنساني السوداني (500) ألف دولار لدعم تأهب السودان لمواجهة كورونا وفي الأثناء يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان مع فرق الحجر الصحي المؤقتة لضمان النسوة الحوامل على مجموعات الولادة النظيفة.
وقال صندوق السكان إنه سيدعم وزارة الصحة لضمان توافر القابلات الاحتياطيات لرعاية النساء الحوامل، وخصص الصندوق مركزا للعزل لعلاج النساء الحوامل.
وليست جهود الأمم المتحدة في دعم السودان مخصصة للحالات الصحية فقط، وإنما وضعت الأمم المتحدة عينها على أهمية تمويل الأولويات ولدعم الاقتصاد، حيث سيعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتعاون وثيق مع منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الاتحادية لتحديد أولويات خطة الاستجابة لكورونا المستجد التي ستمول من صندوقين عالميين هما (جي. اف) و (جافي ) وضربة البداية كانت بتخصيص 2.5 مليون دولار أمريكي.
وسيعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على دعم وزارات القطاع الاقتصادي واللجنة الوطنية العليا لمواجهة فيروس كورونا لتطوير الخطط وتنفيذ الأنشطة وسيعمل مع الوزارات للتخفيف من الأثر الاقتصادي لكورونا المستجد على المستويين الجزئي والكلي.
وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن دعم الصندوق القومي للإمدادات الطبية في مجال المشتريات العالمية للأدوية والمنتجات الصحية اللازمة.
وطورت منظمة الصحة العالمية مع وزارة الصحة الاتحادية خطة استعداد واستجابة على مستوى الدولة بتكلفة (44) مليون دولار أمريكي لمكافحة كورونا المستجد.

كورونا..مراحل وترتيبات
تحول فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) إلى جائحة عالمية بسبب سرعة انتشاره وتمدده على نطاق جغرافي واسع، إذ تجاوز عدد المصابين حول العالم 350 ألف فيما بلغت الوفيات أكثر من 15 ألف، مع حالة من اللا يقين في فهم سر انتشاره السريع وإيجاد علاج فعال وتحديد إطار زمني للقضاء عليه.
يمر انتشار المرض بأربع مراحل أساسية تبدأ بمرحلة ظهور مصابين بالفيروس –في الغالب من وافدين-، ومن بعد مرحلة المخالطين، ومرحلة الانتشار المجتمعي، وأخيرا مرحلة التفشي وانهيار النظام الصحي، وتبعا لكل مرحلة يتم اتخاذ التدابير المناسبة وتسعى الدول لتفادي الانزلاق للمرحلة الثالثة (التفشي المجتمعي) التي يصعب فيها السيطرة على الفيروس وتصل فيها الأمور لمرحلة الكارثة كما حدث في إيطاليا.
جميع الحكومات في العالم ستعاني جراء كورونا، إلا أن البعض سيعاني أكثر من الآخرين، من الناحية الاقتصادية يبدو تأثير كورونا ستكون أسوأ من الحرب، وقلة من القادة السياسيين اليوم قد واجهوا ظروفا مماثلة مثل الوباء وتداعياته الاقتصادية – على الرغم من أن البعض يستحضر الأزمة المالية في العام 2007-2009م، وفي الوقت الذي أدركوا فيه متأخراً أن الأنظمة الصحية سوف تنحسر وتزداد الوفيات، فإن القادة أصبحوا في النهاية يتقبلون حقيقة أنه سيتعين عليهم تجاوز العاصفة. الا أن هنالك ثلاثة عوامل ستحدد كيفية مواجهتها، بما في ذلك موقفهم من اللايقين بالنسبة لطبيعة الفيروس؛ وهيكل وكفاءة الأنظمة الصحية؛ مدى الثقة في القادة لاتخاذ قرارات صعبة بشأن الحجر الصحي والعزل الاجتماعي.
كان الحل الصيني، الذي أيدته منظمة الصحة العالمية، هو فرض حجر صحي قاس، مدعومًا باختبار شامل وتتبع الاتصال. جاء ذلك بتكلفة بشرية واقتصادية عالية، لكن الإصابات الجديدة تضاءلت. فيما زار الرئيس شي جين بينغ ووهان، حيث ظهر الوباء لأول مرة، ومع ذلك، يستمر عدم اليقين حتى في الصين، لأنه لا أحد يعرف ما إذا كانت الموجة الثانية من الإصابات سترتفع مع تراجع الحجر الصحي.
ويتساءل البعض بشأن نجاح السياسة التي اتبعتها الصين، وهل يتحمل الناس نظام العزل والمراقبة القاسي الذي استخدم في الصين، إلا أن أي اجراءات أخرى أثبتت أنها أقل فعالية وأكثر تكلفة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.